بقلم: أكرم الخرجاوي
ليست كل كلمة تقرأها حقيقة، وليست كل صورة تراها دليلاً ، وليست كل رسالة يتم تداولها جديرة بأن تجد طريقها إلى العقول الواعية.
ففي زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة لكل من يكتب أو يصور أو ينشر، أصبح التمييز بين الحقيقة والشائعة مسؤولية لا تقل أهمية عن نشر الحقيقة نفسها.
إن الشائعة ليست مجرد خبر كاذب، بل هي سم يتسلل إلى المجتمع في هدوء، فيزرع الشك، ويشوه السمعة، ويهدم الثقة بين الناس. وما إن تنتشر حتى يصبح إيقافها أمراً بالغ الصعوبة، لأن الكذب غالبا ما يسبق الحقيقة بخطوات، بينما تحتاج الحقيقة إلى وقت حتى تظهر بالأدلة.
والمؤسف أن بعض ضعاف النفوس وعديمي المسؤولية وجدوا في منصات التواصل الاجتماعي بيئة خصبة لتحقيق شهرة زائفة. فهم يتعمدون اختلاق الشائعات أو ترويج الأخبار الملفقة، لا سعيا إلى خدمة المجتمع أو نقل الحقيقة، وإنما بحثاً عن عدد أكبر من المشاهدات والإعجابات والمشاركات، أو للوصول إلى ما يسمى (بـالترند )، غير عابئين بما يترتب على أفعالهم من أضرار قد تصيب الأبرياء، أو تزعزع استقرار المجتمع، أو تبث اليأس في النفوس . فهؤلاء لا يصنعون محتوى، وإنما يصنعون الفوضى، ولا ينشرون وعياً ، وإنما ينشرون الوهم.
ومن المؤسف أيضا أن هناك من يمنح هؤلاء ما يريدون، فيسارع إلى إعادة نشر كل ما يقرأ دون أن يكلف نفسه عناء التحقق من صحته. وهكذا تتحول الشائعة من كذبة كتبها شخص إلى آلاف النسخ التي ينشرها آخرون، فيصبح الجميع شركاء في تضليل المجتمع، وإن اختلفت نياتهم وتوجهاتهم.
لذلك فإن الإنسان الواعي لا يقيس صدق الخبر بعدد من شاركوه، ولا بعدد التعليقات عليه، ولا بسرعة انتشاره.
إننا ينبغي أن ندرك أن منصات التواصل الاجتماعي ليست كلها مصادر للأخبار، وإنما هي أدوات لنقل ما يكتبه الناس، اللذين هم فيهم الصادق والكاذب، والعالم والجاهل، والأمين والمغرض. ولذلك فإن مسؤولية التمييز بين الحقيقة والزيف تقع على عاتق كل مستخدم، لأن إعادة نشر الشائعة تجعل صاحبها شريكاً في نشرها، حتى وإن كان حسن النية.
ولذلك، قبل أن تضغط لإعادة الإرسال ( شير) ، توقف للحظة واسأل نفسك: من أين جاء هذا الخبر؟ هل صدر عن جهة رسمية أو مصدر موثوق؟ هل أكدته وسائل إعلام مهنية معروفة بالمصداقية؟ هل يتوافق مع المنطق ؟
فإن لم تجد إجابة واضحة، فاجعل التوقف عن النشر هو القرار الصحيح، لأن الامتناع عن نشر معلومة مشكوك فيها فضيلة، أما نشرها دون تحقق فقد يكون مشاركة في تضليل الآخرين.
لقد علمتنى التجارب أن الحقيقة قد تتأخر، لكنها تصل بثبات، أما الشائعة فتنتشر بسرعة البرق ثم تنهار أمام أول دليل. ولهذا فإن المجتمعات القوية لا تبنى بكثرة الناقلين، وإنما تبنى بكثرة المتحققين، ولا يحميها الصخب والترند، بل يحميها الوعي والتثبت.
فلنجعل من عقولنا حصناً للحقيقة، لا معبراً للأكاذيب، ولنتذكر دائما أن الكلمة مسؤولية، وأن كل ما ننشره سيحاسبنا عليه الله وضمائرنا قبل أن يحاسبنا عليه المجتمع. فلا تكن جسرا تعبر عليه الشائعة، بل كن سداً يحول بينها وبين الناس، لأن الحقيقة تبني الأوطان، أما الشائعات فلا تجني إلا الخراب.