Sunday, 2026-08-23

لماذا تعودنا قبول الخطأ والرضا بالردئ؟

الخط:
مشاركة:
الخطأ - دكتور علاء جراد
الخطأ - دكتور علاء جراد

بقلم: أ.د. علاء جراد

حفرة في كوبري بإحدى القرى، يسقط فيها الناس في الترعة، وتتكرر الحوادث، ولا يتغير شيء. مزلقان بلا بوابة إغلاق مكتملة، يحصد الأرواح، ولا أحد يتقدم بشكوى رسمية. أطفال يُنقلون للعمل في المزارع فوق سيارات نقل، في ظروف لا تليق بالبشر، ثم تقع المأساة، نحزن أيامًا، وبعدها تستمر الحياة وكأن شيئًا لم يكن.

ومدرسون تحوّل بعضهم إلى «جزارين» يستنزفون الأسر بالدروس الخصوصية، وأهالٍ يدفعون ويصمتون. ورشاوى يعرف البعض أبوابها في بعض المحليات والمصالح؛ فيدفع المواطن لإنهاء معاملته، ثم يكتفي بالشكوى بين أصدقائه.

المشكلة، إذن، ليست فقط في وجود الخطأ، بل في ثقافة قبول الخطأ.

نحتاج إلى ترسيخ مفهوم مسؤولية المواطن، وثقافة عدم القبول بالتقصير. فالمواطن ليس متلقيًا سلبيًا للخدمة، وإنما شريك في حماية المجتمع ومؤسساته. وأبسط صور هذه المسؤولية أن نُبلّغ عن الفساد والخطر والإهمال، وأن نترك للجهات المختصة مهمة التحقيق والمحاسبة.

ولنتخيل: لو لم يُبلّغ أحد عن وقائع مثل «سكرتير المحافظة» أو «القاضي المزيف» التي كُشف عنها مؤخرًا، فإلى متى كان يمكن أن يستمر الأمر؟ كثير من المخالفات لا تتوقف من تلقاء نفسها، بل تتوقف عندما يقرر شخص ما ألا يصمت.

وعلينا أيضًا التخلص من ثقافة: «حرام نقطع عيشه». فالإبلاغ عن مخالفة حقيقية ليس قطعًا لرزق أحد، ولا ينبغي أن يكون تشهيرًا أو تصفية حسابات. نحن نُبلّغ، والجهات المختصة تحقق، والبريء تُثبت براءته، والمخطئ يتحمل مسؤولية خطئه. أما الرزق فمن الله سبحانه وتعالى، وليس بأيدينا أن نقطعه أو نمنحه.

لدينا منظومة الشكاوى الحكومية، وهيئة الرقابة الإدارية، وجهاز حماية المستهلك، وغيرها من القنوات الرسمية. وقد تقدمت شخصيًا، خلال الشهر الماضي، بعدة شكاوى، وتم التعامل مع معظمها بمهنية عالية، وعولجت المشكلات محل الشكوى.

ولعل حملة التوعية التي أطلقتها النيابة الإدارية مؤخرًا، للتوعية بأهمية دور المواطن في الإبلاغ عن الفساد، خير دليل على أهمية دور المواطن وضرورة عدم الصمت.

لا أقول إن كل شكوى ستحل المشكلة، ولكن كل خطأ نسكت عنه نمنحه فرصة للاستمرار.

المجتمع الذي يقبل الرديء سيظل يحصل على الرديء. أما المجتمع الذي يسأل، ويُبلّغ، ويتابع، ويرفض التقصير، فإنه يشارك فعليًا في تحسين مؤسساته.

وهنا أتذكر المعنى الذي رسخه رائد الجودة إدوارد ديمنج: إذا قبلنا الجودة الرديئة، فلا ينبغي أن نندهش عندما نحصل عليها.

فالحقوق لا يحميها الصمت، والإصلاح لا يبدأ دائمًا بقرار كبير؛ أحيانًا يبدأ بمواطن قرر ببساطة أن يقول:

لن أقبل الخطأ… ولن أسكت عنه.

الكاتب: د. علاء جراد

أكاديمي مصري ورئيس مركز استيرلينج للتعلم الاستراتيجي والابتكار – اسكتلندا.

W
بقلم: Writer

كاتب ومحرر في بوابة الجمهورية الثانية.