قد تبدو بعض المشاهد عابرة، لكنها في الحقيقة تكشف عن أزمات أعمق بكثير من تفاصيلها. وهذا ما يجعل مقطع الفيديو الذي انتشر مؤخرًا لطلاب يمزقون كتبهم بعد الامتحانات مشهدًا يستحق التوقف والتأمل.
لسنا هنا بصدد البحث عن المخطئ أو المصيب في ذلك المشهد، ولا يعنينا كثيرًا إن كان الفيديو قديمًا أو حديثًا، كما أن إصدار الأحكام القاسية على هؤلاء الطلاب لن يضيف شيئًا حقيقيًا إلى النقاش، فكلنا نخطئ، وكل جيل له لحظات اندفاعه وتهوره.
لكن ما رأيناه لم يكن مجرد احتفال صاخب بانتهاء الاختبارات، بل بدا انعكاسًا لتراجع بعض القيم المرتبطة بالتعليم والسلوك العام واحترام المعرفة.
كتب ممزقة تملأ الشوارع، أوراق تتطاير تحت الأقدام، ومشهد جماعي يتعامل مع الكتاب وكأنه فقد قيمته بمجرد انتهاء الامتحان.
الأكثر لفتًا للانتباه لم يكن المشهد ذاته، بل حجم التبرير الذي صاحبه؛ إذ رأى كثيرون أن ما حدث أمر طبيعي نتيجة صعوبة المناهج وضغط الدراسة.
قد يكون في هذا الرأي جانب من الحقيقة، فالنظام التعليمي يفرض بالفعل أعباء ثقيلة على الطلاب والأسر.
لكن السؤال الأهم: متى كان طريق العلم سهلًا؟
لم تكن الدراسة يومًا طريقًا مريحًا، ولم يكن تحصيل المعرفة مهمة بلا مشقة. الفارق الحقيقي يكمن في كيفية التعامل مع الضغوط، وفي القيم التي تبقى حاضرة حتى في لحظات الانفعال.
الأزمة إذن ليست في المناهج وحدها، بل في تراجع مكانة العلم داخل المجتمع، وفي ضعف احترام النظام العام والسلوك الجماعي، حين يصبح التخريب سلوكًا مبررًا تحت ضغط الغضب أو التوتر.
ومع ذلك، فإن تحميل الطلاب وحدهم المسؤولية تبسيط مخلّ؛ فالأسرة، والمدرسة، والإعلام، والخطاب السائد حول التعليم جميعها تشارك في تشكيل وعي الأجيال الجديدة وعلاقتها بالعلم.
لهذا لا ينبغي أن نتعامل مع المشهد باعتباره مجرد واقعة طلابية عابرة، بل باعتباره مؤشرًا اجتماعيًا يستحق التفكير.
فالأمم لا تخسر حين تصبح المناهج صعبة، وإنما تخسر حين يفقد العلم هيبته في النفوس.