لم يكن الجدل الذي أعقب حفل افتتاح صالة الفيحاء في مجرد خلاف عابر حول فقرة فنية أو اختيار موسيقي، بل كشف عن أزمة أعمق بكثير، صدمة داخل قطاع من التيار الإسلامي من واقع سياسي لا يسير وفق الصورة التي رسمها في ذهنه.
ظهور الرئيس السوري أحمد الشرع في مناسبة عامة تتضمن عروضًا فنية، حتى وإن كانت عادية بمقاييس الفعاليات الرياضية، كان كافيًا لإشعال موجة من الانتقادات، بعضها اتخذ طابعًا أخلاقيًا، وبعضها الآخر ذهب إلى اتهامات سياسية تتحدث عن “تبدل الاتجاهات” و”تغيير الهوية”.
لكن السؤال الأهم هنا، هل ما حدث يمثل فعلًا تحولًا مفاجئًا؟ أم أن الصدمة ناتجة عن توقعات غير واقعية من الأساس؟
وهم الصورة المثالية
جزء من التيار الإسلامي تعامل مع السلطة الجديدة باعتبارها امتدادًا تلقائيًا لرؤيته الخاصة، متوقعًا أن تنعكس القيم التي يؤمن بها بشكل مباشر في كل تفاصيل المشهد العام. لكن السياسة—كما أثبتت كل التجارب—لا تُدار بالأماني، بل بتوازنات معقدة، داخلية وخارجية.
الدولة لا تخاطب جمهورًا واحدًا، ولا تتحرك داخل إطار فكري واحد، بل تحاول—أحيانًا بنجاح وأحيانًا بتعثر—إرضاء أطراف متعددة، وهو ما يفسر هذا التناقض الظاهري بين الخطاب والتطبيق.
من الدين إلى الإدارة
المشكلة الحقيقية ليست في عرض فني، ولا في أغنية مثيرة للجدل، بل في الانتقال من تصور “الدولة العقائدية” إلى واقع “الدولة الإدارية”.
في الأولى، تُبنى السياسات على رؤية أيديولوجية واضحة. أما في الثانية، فالأولوية تكون لإعادة الاستقرار، وتحسين صورة الدولة، وفتح قنوات مع العالم.
وهنا تحديدًا تظهر الصدمة، حين يكتشف البعض أن الدولة لا تتحرك كمنبر دعوي، بل ككيان سياسي يسعى للبقاء والتوازن.
تضخيم اللحظة
ما حدث في الفيحاء كان بالإمكان أن يمر كأي فعالية عادية، لولا أنه جاء في سياق مشحون، حيث تُقرأ كل إشارة باعتبارها رسالة، وكل تفصيلة كأنها إعلان موقف.
ومن هنا، تحولت لحظة فنية محدودة إلى “دليل” عند البعض على مسار كامل، ربما لم يتشكل بعد.
هل تغير الاتجاه فعلًا؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات حاسمة على تحول جذري بقدر ما هناك محاولة لإعادة تقديم الدولة السورية بالإدارة الجديدة بصورة أقل انغلاقًا.
لكن الأهم من ذلك، أن رد الفعل نفسه يكشف عن فجوة متزايدة بين جزء من القاعدة المحافظة، وبين طبيعة المرحلة السياسية الجديدة.
الصدمة الحقيقية ليست في ما فعله الحاكم، بل في توقعات أنصاره منه.
وبينما تتجه الدولة—على ما يبدو—نحو البراجماتية، لا يزال البعض ينتظر نموذجًا مثاليًا قد لا يكون موجودًا أصلًا في عالم السياسة.
في النهاية، لا تُقاس الدول بما يُرضي جمهورًا بعينه، بل بقدرتها على إدارة التوازنات.
وهنا، تبدأ الحكاية… ولم تنتهي.