Tuesday, 2026-02-24
مقال 23 February 2026 6 مشاهدة

شحاته زكريا يكتب: الإنتاج أولا… طريق النجاة الحقيقي

الخط:
مشاركة:
شحاته زكريا يكتب: الإنتاج أولا… طريق النجاة الحقيقي
سطور الخلاصة من الموقع
في أزمنة الرخاء قد يبدو الحديث عن الإنتاج خيارا من بين خيارات عدة أما في أزمنة الضغوط والتقلبات العالمية فيتحول إلى ضرورة لا تحتمل التأجيل
تفاصيل الخبر كاملاً

 

 

في أزمنة الرخاء قد يبدو الحديث عن الإنتاج خيارا من بين خيارات عدة أما في أزمنة الضغوط والتقلبات العالمية فيتحول إلى ضرورة لا تحتمل التأجيل. العالم اليوم يعيد ترتيب أولوياته على إيقاع أزمات متلاحقة: اضطرابات في سلاسل الإمداد تقلبات في أسعار الطاقة توترات جيوسياسية ومنافسة شرسة على الموارد والأسواق. 

 

في قلب هذا المشهد يبرز سؤال حاسم: كيف تحمي الدول نفسها؟ والإجابة الأقرب إلى المنطق والتجربة هي: بالإنتاج.

الإنتاج ليس مجرد مصانع تدور ولا أرقام تسجل في تقارير النمو بل هو فلسفة إدارة دولة. حين تنتج فأنت تملك قرارك الاقتصادي بدرجة أكبر تقلل اعتمادك على الخارج توفر فرص عمل حقيقية وتخلق قيمة مضافة تحمي عملتك وتدعم ميزانك التجاري. 

 

أما حين يتحول الاستهلاك إلى نمط حياة بلا قاعدة إنتاجية صلبة فإن الاقتصاد يصبح أكثر هشاشة أمام أي صدمة خارجية .. الرهان على الإنتاج يعني إعادة الاعتبار لفكرة العمل المنتج لا العمل الشكلي. يعني أن تكون الأولوية للقطاعات القادرة على توليد دخل مستدام: الصناعة، الزراعة الحديثة، التكنولوجيا، المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وسلاسل القيمة المحلية. 

 

فكل منتج يصنع محليا ويوفر احتياجا داخليا أو يفتح سوقا تصديرية هو خطوة على طريق الاستقلال الاقتصادي .. لكن الإنتاج لا ينمو بالشعارات وحدها. يحتاج إلى بيئة تشريعية مستقرة وإلى إجراءات واضحة وسريعة وإلى مناخ استثماري جاذب يطمئن المستثمر المحلي قبل الأجنبي. يحتاج إلى بنية تحتية حديثة وإلى طاقة متوفرة بأسعار تنافسية وإلى منظومة تعليم وتدريب تخرج عمالة ماهرة قادرة على مواكبة التطور التكنولوجي .. في كثير من الأحيان تختزل الأزمة الاقتصادية في أرقام التضخم أو سعر الصرف بينما جذورها أعمق. 

 

الأزمة الحقيقية تكمن في الفجوة بين ما نستهلكه وما ننتجه. وكلما اتسعت هذه الفجوة زادت الضغوط على الموازنة العامة وعلى العملة وعلى مستوى المعيشة. ومن هنا يصبح شعار الإنتاج أولا ليس مجرد عنوان جذاب بل رؤية شاملة لإعادة التوازن.

 

الإنتاج أيضا هو معركة وعي. وعي لدى المستهلك بأهمية دعم المنتج المحلي حين يكون بجودة مناسبة. وعي لدى الشباب بأن العمل الحر والمشروعات الصغيرة ليست خيارا اضطراريا بل فرصة لبناء مستقبل مستقل. وعي لدى المجتمع بأن القيمة الحقيقية ليست في الاستهلاك المظهري بل في القدرة على خلق ثروة حقيقية من خلال العمل والإبداع .. ولا يمكن الحديث عن الإنتاج دون التطرق إلى التكنولوجيا. العالم يدخل مرحلة صناعية جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والأتمتة. 

 

إذا أردنا أن يكون لنا مكان في خريطة المستقبل فعلينا ألا نكتفي بتجميع ما ينتج في الخارج بل نسعى إلى نقل المعرفة وتوطين التكنولوجيا وبناء قدرات بحثية حقيقية. الاستثمار في البحث العلمي ليس ترفا بل حجر الأساس لأي اقتصاد منتج .. من جهة أخرى فإن دعم الإنتاج لا يعني إهمال البعد الاجتماعي. على العكس الإنتاج هو الضامن الحقيقي للعدالة الاجتماعية. 

 

فحين تتسع قاعدة الإنتاج تتسع معها قاعدة فرص العمل وترتفع الدخول وتتحسن الخدمات. الدولة القادرة على الإنتاج قادرة على تمويل التعليم والصحة والحماية الاجتماعية دون الوقوع في دوامة الديون المتزايدة .. كما أن الإنتاج يعزز الشعور بالكرامة الوطنية. فالأمة التي تصنع غذاءها ودواءها وأدواتها الأساسية تمتلك قدرا أعلى من الأمان الاستراتيجي. 

 

الأزمات العالمية الأخيرة كشفت بوضوح أن الاعتماد المفرط على الخارج قد يتحول في لحظة إلى نقطة ضعف. ومن هنا يصبح تعميق التصنيع المحلي وتطوير الزراعة الحديثة خيارا استراتيجيا لا تكتيكيا .. غير أن التحول نحو اقتصاد إنتاجي يتطلب صبرا. نتائجه لا تظهر بين ليلة وضحاها لكنه مسار تراكمي. كل مصنع جديد كل مشروع صغير ينجح كل فكرة مبتكرة تجد طريقها إلى السوق تمثل لبنة في بناء طويل الأمد. المهم هو الاستمرارية وعدم التراجع أمام أول عقبة . 

 

الدولة مطالبة بدورها في التخطيط والدعم والرقابة والقطاع الخاص مطالب بالمبادرة وتحمل المسؤولية والمجتمع مطالب بثقافة تقدّر العمل الجاد وتحترم الجودة والانضباط. إنها معادلة تكامل لا صراع. فالإنتاج الحقيقي لا يصنعه طرف واحد بل منظومة متكاملة تتشارك الهدف ذاته .. في النهاية قد تختلف الرؤى حول السياسات والتفاصيل لكن يكاد يكون هناك إجماع على أن طريق النجاة يبدأ من هنا: من خط إنتاج يدور ومن حقل يُزرع بكفاءة ومن فكرة تتحول إلى مشروع. 

 

في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء اقتصاديا يصبح الإنتاج هو لغة البقاء .. الإنتاج أولا ليس شعار مرحلة عابرة بل قاعدة مستقبل. هو الرهان الأكثر واقعية في مواجهة تقلبات الخارج وضغوط الداخل. هو الطريق الذي قد يكون شاقا لكنه الأضمن. فالأمم لا تحترم بما تستهلك بل بما تنتج. ومن يختار أن ينتج يختار أن يمتلك قراره وأن يصنع غده بيده.

R
بقلم: Rahma

كاتب ومحرر في بوابة الجمهورية الثانية.