بقلم: أحمد صبري شلبي
تُروى قصة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين دخل القدس، وأدركته الصلاة وهو داخل إحدى الكنائس، فعرض عليه البطريرك أن يصلي فيها، لكنه رفض. خرج عمر وصلى خارجها، حتى لا يأتي المسلمون من بعده ويقولوا: «هنا صلى عمر»، فيحوّلوا المكان إلى مسجد، أو ينازعوا أهله فيه.
ومن باب الأمانة العلمية، لا أتعامل مع هذه الرواية باعتبارها حقيقة تاريخية مؤكدة؛ فتفاصيلها لا تملك من التوثيق التاريخي الدقيق بما يسمح بتقديمها كواقعة ثابتة.
ولكن...
من يعرف عمر، ويقرأ سيرته، ويدرك طريقة تفكيره التي تتجاوز الزمن إلى ما قد يترتب عليها، يستطيع أن يقول: «نعم... عمر ممكن يعملها!»؛ لأن الفكرة نفسها تشبهه تمامًا.
عمر لم يكن يسأل فقط:
ماذا أريد أن أفعل؟
بل كان سؤاله الأهم:
ماذا سيحدث بعد أن أفعل؟
وهنا تكمن روعة الفكرة.
رجل بمكانة عمر، وهو واحد من العشرة المبشرين بالجنة، لم يكن بحاجة إلى أن يثبت لأحد قوة إيمانه، ولا أن يثبت تدينه باستعراض شعيرته أمام الآخرين. المسألة ببساطة لم تكن: هل يستطيع أن يصلي هنا؟ بل: ماذا يمكن أن يترتب على أن يفعل ذلك؟
قد تأتي لحظة عابرة، ثم يأتي من بعدك من يبني عليها، ويتحول الاستثناء إلى قاعدة، والفعل الشخصي إلى ذريعة للمساس بحقوق الآخرين.
وهنا يصبح الامتناع عن الفعل... فعلًا في حد ذاته.
القدرة شيء، والحق شيء آخر. تبدأ الحضارة عندما يدرك الإنسان أن امتلاكه للقدرة لا يمنحه تلقائيًا الحق في استخدامها دون حساب.
تستطيع أن ترفع صوتك، لكن هل من حقك إزعاج الآخرين؟
تستطيع أن تمارس شعيرتك، لكن هل كل مكان يصلح لأن تفرضها فيه؟
يمكنك أن تختلف مع غيرك تمامًا، دون أن تهين مقدساته أو تقتحم خصوصية مكانه؛ فالاحترام لا يعني الموافقة. واحترام خصوصية المكان ومقدسات الآخرين ليس تنازلًا عن الدين، بل هو جزء أصيل من الأخلاق.
الدين ليس أداة للابتزاز
أخطر ما يمكن أن يحدث للتدين أن يتحول من علاقة مع الله إلى أداة للضغط على الآخرين، عبر معادلة ظالمة:
إما أن تقبل تصرفي، أو أنت ضد الدين!!
لكنه هنالك مساحة ثالثة أكثر رقيًا:
أن تحترم ديني، وأنا أحترم خصوصية مكانك.
"الدين لا يحتاج إلى أن تنتصر له بإهانة غيرك، ولا تحتاج لإثبات قوة إيمانك باستفزاز مشاعر الآخرين"
وربما أجمل ما في «فكرة عمر» أنها لا تتوقف عند لحظة الفعل، بل تسأل عما بعدها:
ماذا سيفهم الناس من قراري؟
هل يتحول الاستثناء إلى قاعدة؟
وهل يتحول فعلي الشخصي إلى حق يُستولى به على غيري؟
هذه ليست أسئلة عمر وحده. هذه أسئلة نحتاج أن نسألها لأنفسنا اليوم. لأن القوة ليست دائمًا في قدرتك على أن تفعل ما تريد... أحيانًا تكون القوة الحقيقية في أن تستطيع، ثم تختار ألا تفعل، احترامًا لغيرك.
من القدس إلى مول العرب
ولعل المفارقة أن «فكرة عمر» لا تبدو بعيدة عن واقعنا اليوم.
ففي واقعة متداولة مؤخرًا، أرادت سيدة أن تصلي داخل أحد المحلات في مول العرب، فتحولت الواقعة إلى جدل حول حقها في الصلاة، وحق المكان في تنظيم مساحته.
وبعيدًا عن تفاصيل الواقعة التي لا أستطيع الجزم بها، يبقى السؤال:
هل احترام الدين يعني أن كل مكان يصبح بالضرورة مكانًا مناسبًا لممارسة الشعيرة؟
أظن أن «فكرة عمر» تجيب: (لا).
الصلاة شعيرة عظيمة، لكن اختيار مكان ممارستها مسؤولية أيضًا. وممارسة شعيرتك لا تعني أن تفرضها على كل مكان، كما أن رفض المكان لا يعني بالضرورة رفض دينك. فالإيمان القوي لا يحتاج إلى أن يثبت نفسه بإزعاج الآخرين.
احترم المكان، واحترم خصوصية أهله، ومارس شعيرتك دون أن تجعلها معركة مع أحد.
تذكر مرة أخرى
"الدين لا يحتاج إلى أن تنتصر له بإهانة غيرك، ولا تحتاج لإثبات قوة إيمانك باستفزاز مشاعر الآخرين"