بقلم: أكرم الخرجاوي
الكمال هو الوهم الذي يطارده الإنسان دائمًا، بحثًا عن حقيقة يظن أنها تختبئ خلف الصور الجميلة. لذلك يعتقد كثيرون أن هناك من يعيش حياة مثالية لا يعكر صفوها شيء، وأن السعادة الدائمة يمكن بلوغها إذا توافرت الأموال أو المكانة الاجتماعية أو الشهرة. غير أن الحقيقة تختلف تمامًا عن هذه الصورة؛ فلا وجود لحياة تخلو من المشكلات، أو الضغوط، أو لحظات الضعف، لأن الابتلاء جزء أصيل من طبيعة الحياة الإنسانية.
لقد أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في ترسيخ هذا الوهم لدى كثير من الناس. فما نراه على تلك المنصات ليس الحقيقة كاملة، بل جزءًا منتقى بعناية. نرى أشخاصًا يبتسمون، ويسافرون، ويحتفلون بإنجازاتهم، ويبدون في غاية الراحة والسعادة، لكننا لا نرى خلف تلك الصور ساعات القلق، ولا الخلافات الأسرية، ولا الضغوط المالية، ولا الليالي التي قضوها في مواجهة الخوف، أو الإحباط، أو المرض. فكل إنسان يختار أن يعرض أجمل ما لديه، ويخفي ما يؤلمه، فيبدو للآخرين وكأنه يعيش حياة لا تشبه حياتهم.
وهنا تبدأ المشكلة. فعندما يقارن الإنسان تفاصيل حياته اليومية بما يراه على الشاشات، يتسلل إليه الشعور بأن الآخرين أكثر نجاحًا وسعادة منه، وأنه وحده من يعاني. ومع تكرار هذه المقارنات، تنمو مشاعر الإحباط وعدم الرضا، رغم أن الحقيقة تؤكد أن لكل إنسان همومه التي لا يعلن عنها، ومعاركه التي يخوضها في صمت، وأن ليست كل الابتسامات دليلًا على السعادة.
إن الحياة، بطبيعتها، مزيج من الفرح والحزن، والنجاح والإخفاق، واليسر والعسر. وليس المطلوب أن نبحث عن حياة مثالية، لأنها ببساطة غير موجودة، وإنما أن نتعلم كيف نتعامل مع ظروفنا بحكمة، ونستمتع بما نملكه، ونحسن استثمار نعم الله علينا.
ومن الحكمة أيضًا أن ندرك أن المقارنة العادلة لا تكون مع الصور المنشورة على الشاشات، وإنما مع أنفسنا. فكل تقدم نحققه، مهما كان بسيطًا، هو نجاح يستحق التقدير، وكل أزمة نتجاوزها تمنحنا مزيدًا من القوة والخبرة والنضج.
لذلك، لا تجعل ما تراه على وسائل التواصل الاجتماعي معيارًا للحقيقة، ولا تسمح للصور اللامعة بأن تقنعك بأن السعادة حكر على غيرك. فخلف كل ابتسامة قصة لا تُروى، وخلف كل نجاح محاولات فاشلة، وخلف كل إنسان لحظات ضعف لا يراها أحد.
الحياة ليست مثالية، ولن تكون كذلك يومًا، لكنها قد تكون جميلة بما تحمله من تحديات، إذا أحسنا النظر إليها، واستشعرنا نعمة الرضا بما بين أيدينا، وتوقفنا عن مطاردة الكمال الذي لا وجود له.
فالسعادة الحقيقية لا تنبع من حياة خالية من المشكلات، وإنما من قلب يعرف كيف يتعامل معها، ويؤمن بأن بعد كل عسر يسرًا، وأن الرضا نعمة قد تفوق في قيمتها كثيرًا من النعم التي يسعى الناس وراءها طوال حياتهم.