بقلم: أكرم الخرجاوي
أعجبتني صورة، واستخرجتُ منها ما بداخلي، فوجدتُ لها عنوانًا مناسبًا: بنك المشاعر.
استوقفني المعنى كثيرًا..
هل للمشاعر بنك ورصيد؟
فكلنا يعرف الرصيد المالي في البنك، حين نودع بعض الأموال التي نسحب منها عند الحاجة. واليوم حاولتُ تطبيق المعنى ذاته على حياتي ومن حولي من علاقات مختلفة، فوجدتُ أن رصيد المشاعر كرصيد الهاتف؛ قابلٌ للنفاد، وكلاهما يعطي إشارة عند اقتراب نهايته.
إذن، ما رصيد المشاعر؟
إنه ذلك البنك الخفي الذي يحوي رصيدك من الثقة لدى طرفٍ آخر، ويمنحه شعورًا بالأمان والطمأنينة أثناء تعامله معك. ووجود هذا الرصيد هو الأساس الحقيقي لاستمرار أي علاقة ونجاحها.
الفكرة ببساطة أنك تقوم بإيداعات متواصلة من الود والمحبة، والثقة والاحترام، والتقدير والتسامح. وكل كلمة طيبة، وكل موقف نبيل، وكل وفاء في وقت الشدة، وكل اهتمام صادق، ما هو إلا إيداع جديد في بنك المشاعر.
ومع تراكم هذه الإيداعات يزداد رصيدك لدى الآخرين، فتجد منهم العذر عند الخطأ، والتفهم عند التقصير، والصبر عند الزلات. بل إن بعض العلاقات تستمر سنوات طويلة، لا لقلة الخلافات فيها، وإنما لكثرة الرصيد المتراكم من المودة والثقة بين أطرافها.
وقد يكون الإنسان قليل الكلام، لا يجيد التعبير عن أحاسيسه ومشاعره، لكن رصيده من المواقف الصادقة يتحدث عنه، ويمنحه مكانة راسخة في القلوب لا تصنعها الكلمات وحدها.
وعلى الجانب الآخر، هناك من يواصل السحب من هذا الرصيد دون أن يشعر، وذلك بسوء المعاملة، وقلة الاحترام، ونكران الجميل، والتقليل من شأن الآخرين، حتى يأتي يوم يجد فيه أن حسابه قد أوشك على الإفلاس.
فالعلاقات الإنسانية لا تنهار فجأة، وإنما تضعف تدريجيًا مع كل عملية سحب لا يقابلها إيداع، حتى يصل الرصيد إلى الصفر، ويحين الوقت الذي يقول فيه أحد الطرفين للآخر:
عذرًا... لقد نفد رصيدكم.
لذلك احرصوا على الإيداع المستمر في بنوك المشاعر؛ فالكلمة الطيبة صدقة، والاحترام استثمار، والوفاء رأس مال. أما القلوب فلا تبقى عامرة إلا بمن يعرفون قيمة الرصيد الذي فيها ويحافظون عليه.
وتذكّر أن بعض القلوب لا تغادر بسبب خطأ واحد، بل بسبب سلسلة طويلة من السحوبات المتكررة التي لم يقابلها إيداع واحد من الاهتمام أو التقدير، حتى يصبح الرحيل آخر وسيلة لحماية ما تبقّى من الرصيد.