Saturday, 2026-07-11

حين يختبر الاقتصاد صلابة المجتمع

الخط:
مشاركة:
الاقتصاد - شحاتة زكريا
الاقتصاد - شحاتة زكريا

بقلم: شحاتة زكريا

 

ليست الأزمات الاقتصادية مجرد أرقام تتصدر نشرات الأخبار، ولا مؤشرات تصدرها المؤسسات المالية كل شهر، وإنما هي، في حقيقتها، اختبار لقدرة المجتمعات على الصمود، واختبار أكثر عمقًا لقدرة الدول على إدارة التحديات دون أن تفقد توازنها.

 

فحين ترتفع الأسعار، لا تتغير حركة الأسواق وحدها، بل تتغير معها حسابات الأسر، وأولويات الإنفاق، وطريقة التفكير في الغد.

 

وفي عالم تتشابك فيه الاقتصادات بصورة غير مسبوقة، لم تعد أي دولة بمنأى عن تأثيرات الأزمات الدولية. فمنذ جائحة كورونا، مرورًا بالحروب والصراعات الإقليمية، وصولًا إلى اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، يعيش الاقتصاد العالمي حالة من عدم اليقين انعكست بصورة مباشرة على الأسواق المحلية في كثير من الدول، ومنها مصر.

 

لكن قراءة المشهد الاقتصادي لا ينبغي أن تتوقف عند متابعة الأسعار أو رصد معدلات التضخم، فهذه نتائج يراها الجميع. أما السؤال الأهم فهو: كيف يمكن تحويل الضغوط الراهنة إلى فرصة لإعادة بناء اقتصاد أكثر قدرة على الإنتاج، وأكثر اعتمادًا على إمكاناته الذاتية؟

 

لقد أثبتت التجارب أن الاقتصادات التي تعتمد على الاستهلاك أكثر من الإنتاج تكون الأكثر تأثرًا بالأزمات الخارجية. أما الدول التي توسع قاعدتها الصناعية والزراعية، وتستثمر في المعرفة والتكنولوجيا، فإنها تمتلك قدرة أكبر على امتصاص الصدمات واستعادة التوازن في وقت أقل.

 

ومن هنا، يصبح دعم الإنتاج قضية وطنية، لا مجرد خيار اقتصادي. فكل مصنع يبدأ العمل، وكل فدان يضاف إلى الرقعة الزراعية، وكل مشروع صغير ينجح في الاستمرار، يمثل خطوة نحو تقليل الاعتماد على الخارج وتعزيز قدرة الاقتصاد على توفير احتياجاته.

 

وفي المقابل، لا يمكن إغفال أن المواطن هو الطرف الأكثر تأثرًا بأي ضغوط اقتصادية. فالأسرة المصرية تواجه تحديات يومية في إدارة نفقاتها، وتسعى إلى الحفاظ على مستوى معيشتها وسط متغيرات متسارعة. وهذه الحقيقة تفرض استمرار الجهود الرامية إلى تخفيف الأعباء عن الفئات الأكثر احتياجًا، مع العمل في الوقت نفسه على معالجة جذور المشكلة، لا الاكتفاء بتخفيف آثارها.

 

ولا يقل دور الأسواق أهمية عن دور السياسات الاقتصادية. فاستقرار الأسواق لا يتحقق فقط بتوافر السلع، وإنما أيضًا بوجود رقابة فعالة تمنع الممارسات الاحتكارية، وتحمي المنافسة العادلة، وتضمن ألا يتحول الظرف الاقتصادي إلى فرصة لتحقيق أرباح غير مبررة على حساب المواطن.

 

وفي الوقت ذاته، يظل القطاع الخاص شريكًا رئيسيًا في معادلة التنمية. فزيادة الإنتاج، وخلق فرص العمل، وتعميق الصناعة المحلية، لا يمكن أن تتحقق إلا في بيئة تشجع الاستثمار، وتوفر الاستقرار التشريعي، وتدعم المبادرات التي تضيف قيمة حقيقية إلى الاقتصاد الوطني.

 

غير أن الاقتصاد لا يقوم على القرارات الحكومية وحدها، بل يقوم أيضًا على وعي المجتمع. فثقافة الاستهلاك الرشيد، ودعم المنتج المحلي، والابتعاد عن الإسراف، وتشجيع العمل والإنتاج، كلها عوامل تسهم في تعزيز قدرة المجتمع على تجاوز الأزمات. فالمعركة الاقتصادية لا تُحسم داخل المكاتب فقط، بل تمتد إلى سلوك الأفراد، وطريقة إدارتهم لمواردهم، وإيمانهم بقيمة العمل.

 

ولعل الطبقة المتوسطة تظل العنصر الأكثر أهمية في معادلة الاستقرار؛ فهي التي تتحمل عبء الإنتاج، وتدير المشروعات، وتغذي الأسواق بالحركة، وتمثل العمود الفقري للمجتمع. وكلما ازدادت قدرتها على الصمود، ازدادت قدرة الاقتصاد على التعافي، لأن استقرارها ينعكس على الاستهلاك، والاستثمار، والتعليم، والصحة، وهي جميعًا دوائر مترابطة لا يمكن فصل إحداها عن الأخرى.

 

ولذلك، فإن أي رؤية اقتصادية للمستقبل يجب أن تضع الإنسان في قلب معادلة التنمية، ليس باعتباره مستهلكًا للدعم، وإنما شريكًا في الإنتاج وصناعة القيمة المضافة. فالاستثمار في التعليم، والتدريب، وريادة الأعمال، لا يقل أهمية عن الاستثمار في الطرق والمصانع، لأن الإنسان الكفء هو القادر على تشغيل هذه المشروعات وتحويلها إلى نجاح مستدام.

 

لقد مرت مصر، عبر تاريخها، بمحطات اقتصادية أكثر صعوبة، واستطاعت أن تتجاوزها بالإرادة والعمل، لا بالشعارات. وما نحتاج إليه اليوم هو استمرار الإصلاح، مع تعزيز الإنتاج، وتشجيع الاستثمار، وترسيخ العدالة في الأسواق، والحفاظ على التوازن بين متطلبات التنمية وحماية الفئات الأكثر تأثرًا.

 

وفي النهاية، فإن الأزمات الاقتصادية لا تكشف فقط قوة الأرقام، بل تكشف أيضًا قوة المجتمعات. فالدول التي تمتلك إرادة الإصلاح، وتراهن على العمل والإنتاج، وتحافظ على تماسك نسيجها الاجتماعي، تكون أكثر قدرة على العبور مهما اشتدت الرياح.

 

فالاقتصاد ليس مجرد موازنة، أو سعر صرف، أو معدل تضخم، بل هو، في جوهره، قصة إنسان يسعى إلى حياة كريمة، ودولة تعمل على توفير الفرص، ومجتمع يدرك أن البناء الحقيقي يبدأ من الإنتاج، وأن الاستقرار لا يُشترى بالحلول المؤقتة، بل يُصنع برؤية بعيدة، وعمل متواصل، وثقة لا تتزعزع في قدرة هذا الوطن على تجاوز كل اختبار.

W
بقلم: Writer

كاتب ومحرر في بوابة الجمهورية الثانية.