لا تصدق كل ما تسمعه عن الناس، فالشخص المقصود قد يكون مستقيما، لكن من يعكس صورته هو المائل.
تلك العبارة البسيطة تحمل من الحكمة ما يكفي ليكون منهجا في التعامل مع الناس والحكم عليهم. فكم من إنسان نالته سهام الاتهام وهو بريء منها، وكم من صاحب خلق وفضيلة شوهت صورته ألسنة اعتادت نقل الكلام دون تثبت أو تمحيص.
إن كثيرا مما نراه في الآخرين لا يكون انعكاسا لحقيقتهم، بل انعكاسا لحقيقة من يتحدث عنهم. فالنفوس المريضة ترى المرض في كل مكان، والقلوب الممتلئة بالحقد تفسر النوايا الحسنة على أنها مؤامرات، والعقول الضيقة تضيق بكل نجاح فتسعى إلى الانتقاص منه. ولذلك قيل قديما: كل إناء ينضح بما فيه.
ولعل أخطر ما يواجه الإنسان في حياته ليس وجود الأعداء، بل وجود من ينقلون الأخبار مبتورة، ويصوغون الوقائع وفقا لأهوائهم، ثم يقدمونها للناس على أنها حقائق لا تقبل الجدل. وهنا تتحول الكلمة إلى سلاح، والإشاعة إلى محكمة، والظن إلى حكم نهائي يصدر بحق إنسان قد لا تتاح له فرصة الدفاع عن نفسه.
إن العدل يقتضي أن نستمع إلى جميع الأطراف، وأن نزن الأمور بميزان العقل لا بميزان العاطفة، وأن ندرك أن الحقيقة لا تظهر دائما في أول رواية نسمعها. فالإنسان المنصف لا يبني أحكامه على السماع، وإنما على المعرفة والتجربة والدليل.
وما أكثر الذين تغيرت نظرتهم إلى أشخاص بعدما اقتربوا منهم، فاكتشفوا أن الصورة التي رسمها الآخرون كانت مشوهة ومجحفة. عندها يدرك المرء أن بعض الناس لا ينقلون الحقيقة كما هي، بل كما يريدون لها أن تكون، أو كما تملي عليهم مصالحهم وأهواؤهم.
إن المرآة المعوجة لا تعكس صورة مستقيمة مهما كان من يقف أمامها معتدلا. وكذلك النفوس إذا اعوجت، فإنها تشوه كل ما تراه، وتفسر كل ما تسمعه على غير وجهه الصحيح. لذلك فإن الحكمة تقتضي ألا نحاكم الناس بعيون غيرنا، ولا نزنهم بموازين الآخرين، بل أن نمنحهم فرصة عادلة لنراهم كما هم، لا كما صورهم غيرهم.
وفي زمن أصبحت فيه الكلمة تنتشر أسرع من الحقيقة، وصار الحكم على الناس يتم بضغطة زر أو تعليق عابر، تزداد الحاجة إلى التروي والتثبت وحسن الظن. فكم من سمعة هدمت بكلمة، وكم من علاقة قطعت بإشاعة، وكم من قلب تألم بسبب حكم متعجل لم يستند إلى حق أو عدل.
لذلك، قبل أن تصدق ما يقال عن أحد، انظر أولا إلى من قاله، وتأمل في دوافعه، ثم ابحث عن الحقيقة بنفسك. فقد يكون الشخص الذي يتحدثون عنه مستقيما حقا، لكن الذي يعكس صورته للناس هو المائل، فلا تظهر الصورة إلا على قدر استقامة المرآة التي تنقلها.
وما أجمل أن يكون شعارنا في الحياة: نسمع كثيرا، ونصدق قليلا، ونتحقق دائما، ونحكم بعدل. فذلك أقرب إلى الحق، وأصون لكرامة الناس، وأطهر لقلوبنا من أن تكون جسرا تعبر عليه الظنون إلى ظلم الأبرياء.