Thursday, 2026-07-30

الواقع الافتراضي.. السلاح الذكي الجديد في مواجهة الإدمان

الخط:
مشاركة:
الواقع - عمار ياسر
الواقع - عمار ياسر

بقلم: عمار ياسر 

يشهد العالم تحولًا متسارعًا في توظيف التقنيات الرقمية داخل القطاع الصحي، ولم يعد استخدام التكنولوجيا يقتصر على التشخيص أو إدارة الخدمات الطبية، بل أصبح عنصرًا رئيسيًا في الوقاية والعلاج وإعادة التأهيل النفسي. ومن بين أكثر هذه التقنيات تطورًا وتأثيرًا تبرز تقنية الواقع الافتراضي (Virtual Reality)، التي أثبتت خلال السنوات الأخيرة قدرتها على خلق بيئات تفاعلية تحاكي الواقع بدرجة كبيرة، بما يتيح تقديم خبرات تعليمية وعلاجية يصعب تحقيقها بالأساليب التقليدية.

وفي مصر، خطا صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي خطوة مهمة نحو مواكبة هذا التطور، من خلال إطلاق مبادرة توعوية تعتمد على تقنية الواقع الافتراضي، بهدف رفع وعي الشباب بمخاطر المخدرات بأسلوب تفاعلي حديث يتجاوز النمط التقليدي للمحاضرات والمنشورات التثقيفية. وتعكس هذه المبادرة إدراكًا متزايدًا لأهمية توظيف التكنولوجيا في دعم الجهود الوطنية لمواجهة الإدمان، لا سيما في ظل التغيرات المتسارعة في أنماط التواصل والتعلم لدى الأجيال الجديدة.

وقد نجح الصندوق، على مدار سنوات، في بناء نموذج متكامل يجمع بين الوقاية والعلاج وإعادة التأهيل والدمج المجتمعي، حتى أصبح أحد أبرز المؤسسات العربية في مجال مكافحة الإدمان، وذلك من خلال تنفيذ حملات التوعية، وتقديم خدمات العلاج المجاني والسرية، وإطلاق المبادرات الموجهة لمختلف الفئات العمرية، فضلًا عن تطوير شراكات مع الوزارات والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني. ويأتي إدخال تقنية الواقع الافتراضي امتدادًا طبيعيًا لهذا النهج القائم على التطوير المستمر والاستفادة من أحدث الممارسات العالمية.

وتتمثل أهمية هذه التجربة في أنها تنقل المتلقي من دور المشاهد إلى دور المشارك؛ فبدلًا من الاكتفاء بسماع المعلومات عن أضرار المخدرات، يعيش الفرد داخل بيئة افتراضية تحاكي مواقف قد يتعرض لها في الواقع، فيتعرف إلى ضغوط الأقران، ويشاهد الآثار النفسية والاجتماعية والصحية المترتبة على التعاطي، وهو ما يجعل الرسالة التوعوية أكثر تأثيرًا ورسوخًا في الذاكرة.

ورغم أهمية هذه الخطوة، فإنها تفتح بابًا أوسع للتفكير في المستقبل. فإذا كانت تقنية الواقع الافتراضي قد أثبتت قدرتها على رفع الوعي والوقاية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يمكن أن تصبح هذه التقنية جزءًا من البرامج العلاجية لمرضى الإدمان، لا مجرد وسيلة للتوعية؟

الإجابة عن هذا السؤال تقودنا إلى رؤية علمية واعدة؛ إذ تشير الأدلة البحثية الدولية إلى أن الواقع الافتراضي لا يقتصر على كونه أداة تعليمية، بل يمكن أن يسهم في علاج اضطرابات تعاطي المواد عندما يُدمج ضمن برنامج علاجي متكامل يشرف عليه متخصصون. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى التجربة التي بدأها صندوق مكافحة وعلاج الإدمان باعتبارها المرحلة الأولى في مسار قد يتطور مستقبلًا ليشمل تطبيقات علاجية أكثر تقدمًا، تستفيد من الإمكانات الهائلة لهذه التقنية في تحسين نتائج العلاج والحد من معدلات الانتكاسة.

الاستثمار في هذه التكنولوجيا لا يمثل مجرد تحديث للأدوات المستخدمة، بل يعكس تحولًا في فلسفة التدخل نفسها؛ فمن تقديم المعلومات إلى بناء الخبرة، ومن التوعية النظرية إلى التعلم بالمحاكاة، ومن العلاج التقليدي إلى العلاج المدعوم بالتقنيات الذكية. وقد يشكل هذا التحول نقطة انطلاق نحو جيل جديد من خدمات علاج الإدمان في مصر والمنطقة العربية، إذا ما دُعم بالبحث العلمي، والتجارب الإكلينيكية، والتعاون بين المؤسسات العلاجية والجامعات والجهات البحثية.

W
بقلم: Writer

كاتب ومحرر في بوابة الجمهورية الثانية.