Wednesday, 2026-07-08

الطبيعة تنتقم بصمت.. ماذا يكشف انتشار الأفاعي السامة في مصر؟

الخط:
مشاركة:
السامة - البروفيسور زياد الفاسي
السامة - البروفيسور زياد الفاسي

بقلم: البروفيسور زياد الفاسي

لم يعد ظهور ثعبان سام داخل شارع أو منزل في إحدى المحافظات المصرية مجرد واقعة عابرة تثير الخوف لساعات، بل بات يستدعي التوقف أمام سؤال أكبر: هل تشهد البيئة المصرية تغيرًا في توازنها الطبيعي يسمح بانتشار هذه الكائنات خارج نطاقها المعتاد؟

 

من وجهة نظري، فإن ما يحدث اليوم ليس معزولًا عن سلسلة من التدخلات البشرية التي أخلّت بالتوازن البيئي على مدار سنوات. وقد حذرت قبل نحو عامين من أن استمرار القضاء على بعض الحيوانات البرية والثعابين غير السامة سيقود، عاجلًا أو آجلًا، إلى زيادة فرص انتشار الأفاعي السامة في مناطق جديدة، وهو ما أرى أن ملامحه بدأت تظهر بالفعل.

 

الطبيعة لا تعرف الفراغ

تعتمد المنظومات البيئية على شبكة دقيقة من العلاقات بين الكائنات الحية، بحيث يؤدي كل نوع دورًا يحافظ على استقرار البيئة. وعندما يختفي أحد هذه العناصر بفعل الصيد الجائر أو القتل العشوائي، لا يختفي وحده، بل يترك فراغًا يسمح لكائنات أخرى بالتمدد والانتشار.

 

وفي هذا السياق، أرى أن التراجع المستمر في أعداد النمس والقنفذ، إلى جانب القضاء على بعض الثعابين غير السامة، وعلى رأسها ثعبان العربيد الأسود، أفقد البيئة أحد أهم خطوط الدفاع الطبيعية ضد الأفاعي السامة. فهذه الكائنات تمثل مفترسات طبيعية للثعابين، وكانت تؤدي دورًا محوريًا في الحد من تكاثرها وانتشارها.

 

هل تتغير خريطة انتشار الأفاعي؟

إذا استمر هذا الخلل البيئي، فمن المرجح - في تقديري - أن تتغير الخريطة الجغرافية لبعض الأنواع السامة داخل مصر.

 

فالكوبرا النوبية، التي يتركز وجودها تاريخيًا في محافظات صعيد مصر، قد تبدأ في التوسع شمالًا لتصل إلى محافظات مثل المنيا وبني سويف، وربما تمتد لاحقًا إلى مناطق أخرى إذا استمرت العوامل البيئية الحالية.

 

وبالمثل، قد تشهد الكوبرا المصرية، المعروفة بانتشارها في المناطق الساحلية وبعض محافظات شمال الدلتا، توسعًا تدريجيًا نحو محافظات الدلتا والقاهرة، مدفوعة بالتغيرات البيئية واختلال التوازن الطبيعي.

 

محافظات تستوجب يقظة خاصة

وتبقى محافظات القناة من المناطق التي تستحق اهتمامًا مضاعفًا، لوجود أنواع تُعد من أخطر الثعابين السامة، مثل الصل السيناوي و"الأسود الخبيث"، وهو ثعبان صغير الحجم يصعب رصده بسبب قدرته الكبيرة على الاختباء، ما يجعل التعامل معه أكثر تعقيدًا ويتطلب سرعة في الاستجابة عند ظهوره.

 

كم عدد الثعابين السامة في مصر؟

رغم المخاوف المتزايدة، فإن الواقع العلمي يؤكد أن معظم ثعابين مصر ليست سامة.

فبحسب البيانات التي أوردتها، تضم مصر نحو 39 نوعًا من الثعابين، لا يتجاوز عدد الأنواع السامة منها تسعة أنواع فقط، هي:

الكوبرا المصرية.

الكوبرا النوبية.

الطريشة.

الحية القرعاء.

المقرنة الزائفة.

أفعى الأهرام.

أفعى الحراشف المنشارية.

الصل السيناوي.

الأسود الخبيث.

 

أما بقية الأنواع فهي غير سامة أو محدودة الخطورة، وتؤدي أدوارًا بيئية مهمة في الحفاظ على التوازن الطبيعي.

 

الحل ليس في القضاء على الثعابين

الاستجابة الأولى التي يلجأ إليها كثيرون عند رؤية أي ثعبان هي قتله، لكنني أرى أن هذا النهج لا يعالج المشكلة، بل قد يزيدها تعقيدًا.

 

فالحل الحقيقي يبدأ بإعادة التوازن البيئي، من خلال وقف الصيد الجائر للنمس والقنافذ والثعابين غير السامة، والعمل على إعادة توطينها في المناطق التي تراجعت فيها أعدادها، إلى جانب نشر الوعي المجتمعي بأهمية هذه الكائنات ودورها في حماية الإنسان بصورة غير مباشرة.

 

كما أن دعم المستشفيات بالأمصال المضادة للدغات الأفاعي، وتأهيل فرق متخصصة للاستجابة السريعة، ورفع مستوى الوعي بطرق التعامل مع البلاغات، تمثل جميعها خطوات أساسية للحد من المخاطر.

 

ماذا تفعل عند مشاهدة ثعبان؟

أنصح بعدم محاولة الإمساك بأي ثعبان أو قتله، لأن ذلك يزيد احتمالات التعرض للدغة.

وفي حال وقوع إصابة، يجب غسل موضع اللدغة بالماء فقط، ثم التوجه فورًا إلى أقرب مستشفى للحصول على الرعاية الطبية اللازمة. وإذا أمكن تصوير الثعبان من مسافة آمنة، فقد يساعد ذلك الأطباء في تحديد نوعه واختيار المصل المناسب.

كما أطرح، استنادًا إلى خبرتي الشخصية، ملاحظة تستحق الدراسة، وهي أن وضع الليمون المجفف حول المنازل قد يسهم في إبعاد الأفاعي، وإن كنت أؤكد الحاجة إلى أبحاث علمية متخصصة للتحقق من مدى فاعلية هذه الملاحظة.

رسالة أخيرة

الحفاظ على التوازن البيئي ليس قضية تخص علماء البيئة وحدهم، بل هو مسؤولية مجتمعية ترتبط مباشرة بصحة الإنسان وسلامته.

فالطبيعة تمتلك آلياتها الخاصة لضبط التوازن بين الكائنات، وكل تدخل غير مدروس فيها قد ينعكس على الإنسان قبل غيره. ومن هنا، فإن التعامل مع ظاهرة انتشار الأفاعي السامة يجب ألا يقتصر على ردود الأفعال المؤقتة، بل ينبغي أن يكون جزءًا من رؤية علمية شاملة لحماية البيئة وصون التنوع الحيوي، قبل أن يتحول الخلل البيئي إلى أزمة يصعب احتواؤها.

 

الكاتب بروفيسور فى علم المصريات ومؤرخ عسكري بالأمم المتحدة.

W
بقلم: Writer

كاتب ومحرر في بوابة الجمهورية الثانية.