Tuesday, 2026-05-26

عمار ياسر يكتب: عندما تصبح تجارب الآخرين جزءًا منا دون أن نشعر

الخط:
مشاركة:
الدماغ - عمار ياسر يكتب: عندما تصبح تجارب الآخرين جزءًا منا دون أن نشعر
الدماغ - عمار ياسر يكتب: عندما تصبح تجارب الآخرين جزءًا منا دون أن نشعر

 

 

لا يوجد على وجه الأرض شيء قادر على امتصاص ما يحدث من حوله مثل الدماغ البشري.

فالدماغ ليس مجرد عضو ينقل الإشارات العصبية أو يدير وظائف الجسد، بل منظومة شديدة الحساسية تتفاعل مع كل ما تراه وتسمعه وتشعر به. إنه يشبه الإسفنجة؛ يتشرب الأحداث والمشاعر والتجارب باستمرار، دون أن يميز دائمًا بين ما هو إيجابي أو سلبي.

 

ولهذا ربما نتساءل يومًا:

 

لماذا نشعر بالتثاؤب عندما نرى شخصًا آخر يتثاءب؟

ولماذا ينتقل إلينا الحزن بمجرد الجلوس مع شخص حزين؟

ولماذا نشعر بالخوف عندما نرى الخوف في عيون الآخرين؟

 

هذه الأسئلة لم تعد مجرد ملاحظات اجتماعية أو تأملات فلسفية، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بما توصل إليه علم الأعصاب الحديث، خاصة بعد اكتشاف ما يعرف بالخلايا المرآتية.

 

الخلايا المرآتية.. عندما يعكس الدماغ ما يراه

 

اكتشف الباحث الإيطالي Giacomo Rizzolatti وفريقه ما يعرف بالخلايا العصبية المرآتية أثناء دراسة أدمغة القرود.

لاحظ الباحثون أن بعض الخلايا العصبية كانت تنشط ليس فقط عندما يقوم القرد بالفعل بنفسه، بل أيضًا عندما يرى قردًا آخر يقوم بالفعل ذاته، كالإمساك بموزة لتناولها.

 

بمعنى آخر، كان الدماغ يتفاعل مع المشهد وكأنه يشارك فيه فعليًا.

 

لاحقًا، أشارت الدراسات إلى وجود هذه الخلايا في مناطق متعددة من الدماغ البشري، مثل القشرة الحركية والفص الجبهي والفص الجداري، وهي مناطق ترتبط بالحركة والتعلم الاجتماعي والتعاطف وفهم مشاعر الآخرين.

 

ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من الطريقة التي يتأثر بها البشر ببعضهم البعض، ليس فقط على مستوى السلوك الظاهر، بل على مستوى المشاعر والتصورات وطريقة تفسير الواقع.

 

كيف تتسرب تجارب الآخرين إلى داخلنا؟

 

تخيل امرأة تجلس مع صديقتها التي تروي لها تفاصيل تجربة قاسية عاشتها مع زوجها.

قد يبدو الأمر مجرد حديث عابر ينتهي بانتهاء الجلسة، لكن الدماغ لا يتعامل مع المعلومات بهذه البساطة.

 

فأثناء الاستماع، تبدأ أنظمة عصبية معينة في التفاعل مع ما يُقال، ويتم تخزين المشاعر والصور والانطباعات داخل الدماغ بصورة قد تكون أعمق مما نتخيل. وبعد فترة، قد تبدأ المستمعة في إعادة تفسير بعض المواقف اليومية داخل حياتها الزوجية بطريقة مختلفة، فتزداد حساسيتها تجاه التصرفات العادية، وتبدأ في رؤية القسوة أو التهديد في مواقف لم تكن تفسرها سابقًا بهذه الطريقة.

 

هنا لا يعني الأمر أن التجربة انتقلت حرفيًا من شخص إلى آخر، بل إن الدماغ أعاد تشكيل طريقة الإدراك والانتباه والتفسير بناءً على ما تعرض له من معلومات ومشاعر.

 

ولهذا فإن بعض ما يفسره الناس أحيانًا بالحسد أو العدوى النفسية قد يكون له جانب علمي يرتبط بطريقة عمل الدماغ وتأثره المستمر بالبيئة المحيطة.

 

اللدونة العصبية.. الدماغ الذي يعيد تشكيل نفسه

 

لا يتوقف الأمر عند الخلايا المرآتية فقط، بل يرتبط أيضًا بما يعرف باللدونة العصبية، وهي قدرة الدماغ على إعادة تشكيل الروابط العصبية باستمرار وفقًا للتجارب والأفكار والمشاعر المتكررة.

 

فالإنسان لا يخرج من التجارب كما دخلها.

كل موقف يمر به، وكل فكرة يكررها، وكل شعور يعيش داخله، يترك أثرًا عصبيًا يساهم في تشكيل شخصيته وطريقة تفكيره مع الوقت.

 

ولهذا يؤثر الأصدقاء في بعضهم البعض، وتؤثر البيئات الاجتماعية في سلوك الأفراد، كما تؤثر الكلمات التي تتكرر يوميًا داخل الأسرة أو المجتمع في تكوين صورة الإنسان عن نفسه وعن الحياة.

 

السوشيال ميديا.. التأثير الأسرع في تاريخ البشر

 

في الماضي، كان انتقال التأثير النفسي والسلوكي يحتاج إلى احتكاك مباشر بين الناس، أما اليوم فقد أصبحت منصات التواصل الاجتماعي بيئة ضخمة لنقل المشاعر والتجارب والأفكار بصورة لحظية ومتواصلة.

 

يشاهد الإنسان يوميًا مئات القصص والمواقف والانفعالات، فيتأثر بها دون أن يدرك حجم ما تتركه داخله من آثار.

 

ولهذا لم يعد غريبًا أن تنتقل أنماط القلق أو الخوف أو الغضب أو حتى أساليب الحياة بين الناس بسرعة هائلة، حتى أصبح التأثر النفسي أحيانًا أسرع من انتقال الأخبار نفسها.

 

ومع توسع مشاركة الحياة الشخصية على المنصات الرقمية، أصبح كثير من الناس يعرضون تفاصيل بيوتهم وعلاقاتهم ومشكلاتهم الخاصة أمام الجميع، الأمر الذي ساهم في خلق تأثيرات نفسية واجتماعية معقدة، بعضها يمتد إلى السلوك والقيم والعلاقات الإنسانية ذاتها.

 

هل يمكن توجيه هذا التأثير؟

 

إذا كان الدماغ يتأثر بما يراه ويسمعه باستمرار، فإن ذلك يعني أيضًا أن الإنسان قادر على توجيه هذا التأثير بصورة واعية.

 

فالتركيز على النماذج الإيجابية، والبيئات الصحية، والأفكار البناءة، والمحتوى الذي يدعم النمو النفسي والعقلي، يمكن أن يساهم تدريجيًا في تشكيل أنماط جديدة داخل الدماغ.

 

ومع التكرار، تبدأ الروابط العصبية في التغير، ويصبح الإنسان أقرب إلى الصورة التي يكرر التفكير فيها ويعيشها يوميًا.

 

لهذا لا يعد اختيار ما نشاهده أو نستمع إليه أو نحيط أنفسنا به أمرًا عابرًا، بل قرارًا يشارك بصورة مباشرة في تشكيل وعينا وشخصياتنا وطريقة رؤيتنا للعالم.

فالإنسان لا يعيش منفصلًا عن محيطه، بل يتشكل به أحيانًا دون أن يشعر

W
بقلم: Writer

كاتب ومحرر في بوابة الجمهورية الثانية.