بقلم: عمار ياسر
كثيرًا ما نسمع عبارة تعديل السلوك، فنفكر مباشرة في الجداول، والتعزيز، والمكافآت، والعواقب، وتسجيل عدد مرات ظهور السلوك واختفائه. وهذه كلها أدوات مهمة، ولا يمكن إنكار قيمتها في العمل السلوكي، لكن أحيانًا يبدو لي أننا ننشغل بالأداة إلى درجة تجعلنا ننسى السؤال الأهم: كيف يمكن أن نجعل عملية التغيير نفسها أكثر إنسانية وأكثر قربًا من الطفل؟
هنا يأتي الإبداع.
الإبداع في العمل النفسي والتربوي ليس رفاهية، وليس مجرد إضافة جميلة إلى الجلسة العلاجية. في كثير من الحالات يمكن أن يكون وسيلة حقيقية للوصول إلى الطفل، خصوصًا عندما تفشل الطريقة التقليدية في الوصول إليه.
فالطفل الذي يرفض الحديث قد يرسم.
والطفل الذي لا يستطيع التعبير عن غضبه قد يجسده في قصة أو شخصية خيالية.
والطفل الذي لا يستجيب للتعليمات المباشرة قد يتفاعل بشكل مختلف تمامًا عندما نقدم له المطلوب في صورة لعبة أو تحدٍ أو موقف تمثيلي.
وهنا لا نكون قد ابتعدنا عن تعديل السلوك، بل ربما اقتربنا منه أكثر.
نحن لا نعدل السلوك فقط… نحن نحاول أن نفهمه
من أكثر الأخطاء التي قد نقع فيها، سواء كمتخصصين أو كأولياء أمور، أن نتعامل مع السلوك باعتباره مشكلة منفصلة عن صاحبه.
فنقول: "هو عنيد"، "هي عدوانية"، " مش بيسمع الكلام"، "دائمًا يكذب"، "غير ملتزم".
لكن السلوك في كثير من الأحيان يكون رسالة، حتى لو كانت طريقة التعبير عنها غير مناسبة.
وهنا تبدأ مسؤولية المختص: ألا يكتفي بمحاولة إيقاف السلوك، وإنما يحاول فهم وظيفته.
ماذا يحدث قبل السلوك؟
ماذا يحصل للطفل بعده؟
ما الذي يحاول أن يتجنبه؟
وما الذي يحاول الحصول عليه؟
وعندما نفهم هذه التفاصيل، يصبح لدينا مجال أكبر للإبداع في التدخل.
فبدلًا من أن نقول لطفل غاضب: "لا تضرب"، يمكن أن نساعده على اكتشاف طريقة أخرى للتعبير عن غضبه.
وبدلًا من أن نعاقب طفلًا يرفض أداء مهمة، يمكن أن نسأل أنفسنا: هل المهمة صعبة عليه؟ هل يشعر بالفشل؟ هل يبحث عن الانتباه؟ أم أنه ببساطة لا يجد فيها أي معنى؟
الإجابة عن هذه الأسئلة قد تغير الطريقة التي نتعامل بها مع السلوك بالكامل.
الإبداع لا يعني أن نحول الجلسة إلى لعبة
وهنا أعتقد أن هناك نقطة مهمة للمختصين تحديدًا.
استخدام الإبداع في تعديل السلوك لا يعني أن تصبح الجلسة مجموعة من الألعاب والأنشطة بلا هدف.
الإبداع الحقيقي ليس في النشاط نفسه، وإنما في كيفية توظيفه لخدمة الهدف العلاجي.
يمكن أن تكون لعبة بسيطة وسيلة لتدريب الطفل على الانتظار.
ويمكن أن تصبح قصة قصيرة وسيلة لفهم نتائج السلوك.
ويمكن للتمثيل أن يساعد الطفل على تجربة الاستجابة البديلة قبل أن يواجه الموقف الحقيقي.
كما يمكن للرسم أن يكون مدخلًا لفهم مشاعر لا يستطيع الطفل التعبير عنها بالكلمات.
المهم أن نسأل أنفسنا دائمًا: ما المهارة التي أحاول أن أبنيها من خلال هذا النشاط؟
إذا كان لدينا هدف واضح، يصبح الإبداع أداة علاجية، وليس مجرد وسيلة لشغل وقت الجلسة.
وأحيانًا نحتاج إلى أن نغير الطريقة لا الطفل
من المواقف التي أراها مهمة في العمل مع الأطفال أن بعضهم لا يستجيب للطريقة التي اعتدنا استخدامها، فنفسر ذلك سريعًا بأنه "مقاومة" أو "عدم تعاون".
لكن ربما يكون السؤال الأفضل:
هل جربنا طريقة أخرى؟
قد يكون الطفل قادرًا على التعلم، لكنه لا يتعلم بالطريقة التي نقدم بها المعلومة.
وقد يكون قادرًا على التعبير، لكنه لا يشعر بالأمان الكافي لاستخدام الطريقة التي نطلبها منه.
وقد يكون مستعدًا للتغيير، لكنه لا يرى سببًا يجعله يرغب في هذا التغيير.
وهنا يظهر دور الإبداع مرة أخرى.
المختص الجيد لا يبحث فقط عن «الطريقة الصحيحة»، بل يبحث عن الطريقة المناسبة لهذا الطفل تحديدًا.
وهذا فرق كبير.
ماذا عن دور الأسرة؟
لا يمكن أن نتحدث عن تعديل السلوك دون أن نتحدث عن الأسرة.
فالسلوك الذي نحاول تعديله خلال جلسة واحدة أو جلستين في الأسبوع، يعيش الطفل معه بقية الأسبوع.
ولهذا فإن دور الوالدين ليس أن يصبحا «معالجين» في المنزل، وإنما أن يفهما ما الذي نحاول تغييره ولماذا، وأن يساعدا الطفل على ممارسة السلوك البديل في الحياة اليومية.
وهنا يمكن للأسرة أيضًا أن تستخدم الإبداع.
بدلًا من تحويل كل موقف إلى أوامر ونواهٍ، يمكن ابتكار روتين ممتع، أو استخدام لوحة متابعة بسيطة، أو قصة اجتماعية، أو تحديات صغيرة، أو اختيار الطفل بين بديلين مقبولين.
ليس الهدف أن نجعل كل شيء لعبة، وإنما أن نجعل الطفل شريكًا في عملية التغيير بدلًا من أن يشعر بأنه الطرف الذي تتم السيطرة عليه طوال الوقت.
لكن هناك خطًا يجب ألا نتجاوزه
الإبداع مهم، لكن ليس كل سلوك مختلف إبداعًا، وليس كل طريقة غير تقليدية فعالة.
كما أن الحفاظ على شخصية الطفل لا يعني ترك السلوكيات المؤذية أو غير المناسبة دون تدخل.
نحن لا نريد طفلًا "مطيعًا" على حساب قدرته على التفكير، ولا نريد في المقابل أن نستخدم مفهوم الإبداع كذريعة لعدم وضع حدود واضحة.
هناك سلوكيات تحتاج إلى حدود.
وهناك مشاعر تحتاج إلى احتواء.
وهناك مهارات تحتاج إلى تدريب متكرر.
وهناك قواعد يجب أن تكون واضحة وثابتة.
التحدي الحقيقي هو أن نفعل ذلك دون أن نحول التربية والعلاج إلى عملية مستمرة لإطفاء الاختلاف.
ربما يكون الهدف أكبر من تعديل السلوك
في النهاية، أعتقد أن نجاحنا لا يجب أن يُقاس فقط بعدد السلوكيات التي اختفت.
قد يكون النجاح أن يتعلم الطفل كيف يطلب المساعدة بدلًا من الصراخ.
أن يتعلم كيف يقول "أنا غاضب" بدلًا من الضرب.
أن ينتظر دوره بدلًا من أن ينسحب.
أن يخطئ دون أن يشعر أنه فاشل.
أن يختلف دون أن يؤذي نفسه أو الآخرين.
وأن يجد طريقة للتعبير عن نفسه دون أن يضطر إلى استخدام سلوك غير مناسب حتى يسمعه الآخرون.
وهنا يصبح الإبداع أكثر من مجرد وسيلة.
يصبح مساحة نمنحها للطفل كي يكتشف أن هناك دائمًا أكثر من طريقة للتعامل مع الموقف.
فتعديل السلوك لا يعني أن نجعل الطفل أكثر تشابهًا مع الآخرين، وإنما أن نساعده على امتلاك بدائل أكثر، ومهارات أفضل، وقدرة أكبر على اختيار السلوك الذي يخدمه ويخدم من حوله.
وربما لهذا السبب تحديدًا، حين يصبح الإبداع جزءًا من تعديل السلوك، لا نكون فقط بصدد تغيير سلوك طفل…
بل نساعده على اكتشاف طريقة جديدة لفهم نفسه والعالم من حوله.