بقلم: م. حازم الأشهب
لم تعد محطة الضبعة النووية مجرد مشروع لإنتاج الكهرباء ؛ بل أصبحت أحد أهم المشروعات الإستراتيجية التي يمكن أن تعيد تشكيل مستقبل الطاقة في مصر ، وفي الوقت نفسه تبني قاعدة بشرية وهندسية قادرة على التعامل مع واحدة من أكثر الصناعات الهندسية تعقيدًا في العالم ؛ علما بأن الوحدات التي نعمل عليها الآن عددهم 4 وحدات نووية من طراز VVER-1200 ، و بقدرة اسمية تبلغ 1,200 ميجاوات لكل وحدة ، وذلك بإجمالي 4,800 ميجاوات ؛ كما بلغ عدد العاملين في موقع الضبعة أكثر من 20 ألف شخص في إحدى مراحل التنفيذ ؛ بينما بلغت نسبة العمالة المصرية في المشروع نحو 80% وفق تصريحات رسمية مصرية ، وهنا تظهر قيمة أخرى للمشروع لا تقل أهمية عن إنتاج الكهرباء : تكوين مهندس مصري يمتلك خبرة عملية في تنفيذ منشآت نووية حقيقية علي أرض الواقع ، وليس مجرد معرفة أكاديمية أو نظرية.
فالمهندس المدني الذي يعمل في الضبعة يتعامل مع منشآت خرسانية عالية الأهمية ، وأعمال حفر وأساسات ، وأنظمة عزل وحماية متكاملة ، وأعمال خرسانة مسلحة ، ومنشآت احتواء ، ومتطلبات جودة وضبط صارمة ؛ ضمن بيئة متعددة الجنسيات ، وتحت اشتراطات نووية دقيقة دولية.
لكن ماذا لو أصبحت 6 وحدات هي المرحلة الأولى المستهدفة بدلًا من 4 ؛ ثم ارتفع العدد مستقبلًا إلى 8 وحدات؟ عندها لن نتحدث عن محطة بقدرة 4.8 جيجاوات فقط ، و إنما عن مجمع نووي تصل قدرته التصميمية إلى 9.6 جيجاوات ، وعن قاعدة هندسية وبشرية أكبر بكثير.
لماذا ستة مفاعلات كمرحلة أولى؟
إضافة مفاعلين جديدين إلى الوحدات الأربع تعني رفع القدرة من 4,800 إلى 7,200 ميجاوات ؛ أي زيادة قدرها 2,400 ميجاوات أو 50% مقارنة بالمرحلة الحالية.
ولكن الزيادة لا تعني الكهرباء فقط.
فكل مفاعل جديد يعني مزيدًا من الأعمال المدنية ، والمنشآت المساعدة ، والطرق ، والمرافق ، وأنظمة المياه ، والمباني الخدمية ، وأعمال الحماية ، وأعمال الخرسانة والإنشاءات المختلفة ذات التخصصية المرتفعة التي تحتاج إلى مهندسين يمتلكون خبرة حقيقية في البيئة النووية.
علما بأن نطاق الأعمال المدنية في الضبعة واسع ؛ كما يشارك العديد من الشركات المصرية في تنفيذ عدد من الأعمال ، وتحديدا مباني التوربينات للوحدتين الثانية والرابعة، وأعمال مأخذ مياه البحر، والحماية الساحلية، والطرق الداخلية، ومباني الخدمات واللوجستيات.
وهذا يعني أن المهندس المدني في الضبعة لا يعمل في «مبنى تقليدي» ، وإنما يتعامل مع منظومة منشآت مترابطة داخل مشروع نووي عملاق ؛ حيث تصبح دقة التنفيذ والتوثيق وضبط الجودة والتنسيق بين التخصصات جزءًا أساسيًا من العمل اليومي.
من ستة إلى ثمانية مفاعلات
إذا أثبتت الوحدات الأولى نجاحها في التشغيل وحققت المؤشرات الفنية والإقتصادية المستهدفة ، وهذا المتوقع وفق دراساتنا الهندسية ، ورأي الخبراء جميعهم ؛ فإن الوصول إلى 8 مفاعلات في الضبعة يمكن أن يحول الموقع إلى أحد أكبر مجمعات الطاقة النووية في المنطقة.
وبالحفاظ على القدرة نفسها البالغة 1,200 ميجاوات للمفاعل الواحد ؛ فإن الحساب يصبح واضحًا ، وهو كالتالي:
8 × 1,200 = 9,600 ميجاوات.
أي 9.6 جيجاوات من القدرة النووية ، وذلك مقابل 4.8 جيجاوات في المشروع الحالي ؛ أي زيادة إجمالية قدرها 100%.
لكن الرقم الأهم بالنسبة للكوادر الهندسية هو أن التوسع إلى 8 وحدات يعني سنوات إضافية من العمل في بيئة نووية ، وهو ما يسمح للمهندس المدني المصري بالإنتقال تدريجيًا من مرحلة التنفيذ تحت إشراف الخبراء المحليين والدوليين إلى مرحلة اكتساب خبرة مستقلة في إدارة الحزم الإنشائية ، وضبط الجودة ، والتخطيط ، وإدارة المخاطر، والتعامل مع متطلبات السلامة النووية المحلية ، وكذلك الدولية.
وهذه الخبرة يمكن أن تتحول بمرور الوقت إلى رأس مال بشري مصري قابل للتصدير إلى مشروعات نووية أخرى في العالم ، ومن أهمها خلال الفترة الحالية ؛ المشروع النووي السعودي السلمي تحت الدراسة.
الطاقة النووية ليست مجرد كهرباء
القيمة الإستراتيجية للضبعة لا تتوقف عند إنتاج الكهرباء.
فالمفاعلات الأربعة الحالية بقدرة إجمالية 4,800 ميجاوات، بينما سيناريو الثمانية مفاعلات يرفع القدرة إلى 9,600 ميجاوات.
والمشروع ليس مجرد مجموعة مفاعلات ؛ فداخل المحطة توجد منشآت نووية وغير نووية ذات متطلبات إنشائية وهندسية مختلفة ، ومن أبرز الأمثلة منشأة الإحتواء الداخلي للمفاعل ، وهي عبارة عن هيكل أسطواني من الخرسانة المسلحة يضم المفاعل ومعدات الدائرة الأولية ، ويشكل مع الاحتواء الخارجي جزءًا أساسيًا من منظومة الأمان ، وقد أعلنت هيئة المحطات النووية في 2024 اكتمال المستوى الأول من الإحتواء الداخلي للوحدة الأولى ، ويتكون هذا المستوى من 12 قطعة يتراوح وزن القطعة الواحدة منها بين 60 و80 طنًا.
وهنا تتضح خصوصية دور المهندس المدني في المشروع النووي.
فالعمل لا يقتصر على تنفيذ الخرسانة طبقًا للمخططات ، وإنما يتطلب فهمًا دقيقًا للتفاوتات المسموح بها ، وتسلسل الصب ، ومعالجة الفواصل ، ودرجات الحرارة ، والـ embedded items ، والتنسيق مع الأعمال الميكانيكية والكهربائية ، ومتطلبات الجودة والتوثيق ، وكل ذلك داخل منظومة لا تسمح بهامش الخطأ الموجود في كثير من المشروعات التقليدية.
9,600 ميجاوات.. ماذا تعني لمصر؟
الوصول إلى 9,600 ميجاوات من القدرة النووية يعني بناء قاعدة ضخمة من التوليد المستقر، ويمكن أن تعمل بالتكامل مع الطاقة الشمسية ، وطاقة الرياح ، ومصادر الطاقة الأخرى.
لكن هناك مكسبًا آخر قد يكون أكثر أهمية على المدى الطويل : "تراكم الخبرة المصرية" في مجال المنشآت المتخصصين المصرين الدوليين.
فالخبرة التي يكتسبها مهندس مدني مصري خلال سنوات العمل في الضبعة تشمل التعامل مع مشروع نووي من الجيل الثالث المتقدم Gen III+ ، والعمل مع فرق مصرية وروسية وفرنسية ودولية ، والإلتزام بأنظمة الجودة والسلامة ، وإجراءات التفتيش والإعتماد ، وإدارة الوثائق ، ومراقبة الأعمال ، وواجهات التصميم والتنفيذ ؛ حيث أن تصميم المنشآت النووية يختلف كثيرا عن غيرها ، وكذلك طرق التنفيذ علي أرض الواقع ؛ كما هو الحال في المشروع تنفذ تحت رقابة هندسية وفنية دقيقة ، وبمشاركة فرق مصرية وروسية عالية المهارة ؛ مع الإشارة إلى أن المحطة تستهدف التشغيل بواسطة كوادر مصرية من اليوم الأول للتشغيل ؛ كما أن بلغت نسبة المصريين المشاركين في المشروع نحو 80% حتي الآن.
وهذه النسبة تحمل رسالة مهمة : الضبعة ليست مشروعًا أجنبيًا يعمل على أرض مصر فقط ، وإنما منصة لتكوين خبرة مصرية داخل مشروع نووي دولي المستوى.
الضبعة.. مدرسة نووية لمصر
من أهم المكاسب غير المباشرة للتوسع النووي بناء الإنسان المصري.
فالبرنامج النووي المصري لا يستهدف إنشاء منشآت فقط ، وإنما يستهدف إعداد كوادر قادرة على إدارة وتشغيل المشروع ، وقد بدأت برامج تدريب الكوادر المصرية منذ سنوات ، وتشير بيانات روساتوم إلى أن 152 متخصصًا مصريًا بدأوا تدريبهم خلال عامي 2022 و2023 لتشغيل محطة الضبعة ؛ كما جرى تطوير منظومة تدريب مرتبطة بإحتياجات المحطة.
وبالنسبة للمهندس المدني تحديدًا ؛ فإن قيمة الخبرة تتجاوز لقب «Civil Engineer».
المهندس الذي يشارك في تنفيذ منشآت نووية ويتعامل مع " Nuclear Island - Turbine Island - Reinforced Concrete Structures - Containment Structures - Heavy Lifting - Quality Control - Inspection & Testing - Construction Planning - Interface Management " ، وغيرها من عناصر المشروع ؛ يخرج بخبرة مختلفة عن خبرة المهندس الذي عمل طوال حياته في المباني التقليدية أو البنية التحتية فقط.
والأهم أن هذه الخبرة أصبحت محل تقدير داخل المشروع نفسه ؛ ففي مارس 2026 ، شهد مشروع الضبعة تكريم عدد من الكوادر المتميزة من الشركات المشاركة تقديرًا لإسهاماتهم في دعم التنفيذ وتحقيق معدلات أداء مرتفعة ، وهو ما يعكس قيمة الكوادر المصرية والهندسية المشاركة في المشروع.
كما أن فريق المشروع المصري في هيئة المحطات النووية سبق أن حصل على تكريم رسمي ؛ ففي مراسم بدء إنشاء الوحدة الأولى عام 2022 جرى تكريم أعضاء من فريق المشروع المصري الروسي تقديرًا لجهودهم ، وكان من بينهم قيادات في التنفيذ والخدمات الهندسية وإدارة المشروع والسلامة النووية والترخيص.
وبالتالي فإن المهندس المدني الذي يكتسب سنوات من الخبرة في الضبعة يمتلك فرصة حقيقية لبناء مسار مهني دولي متخصص في مجال الإنشاءات النووية.
التوسع يجب أن يكون محسوبًا
رغم المزايا الكبيرة لأي توسع نووي ؛ فإن الإنتقال من أربع إلى ست ثم ثماني وحدات لا ينبغي أن يكون قرارًا مبنيًا فقط على الرغبة في زيادة القدرة الإنتاجية.
هناك عوامل أساسية يجب دراستها بعناية ، وفي مقدمتها قدرة الشبكة الكهربائية على استيعاب القدرات الجديدة ، والتمويل ، وتكلفة دورة حياة المحطات ، والجدوى الإقتصادية ، وتوافر الكوادر البشرية ، وسلاسل الإمداد ، وإدارة الوقود النووي ، والتعامل مع النفايات ، ومتطلبات الأمان النووي.
وهنا يأتي دور المهندس المدني بصورة أكثر وضوحًا ؛ فالتوسع النووي يحتاج إلى أعداد أكبر من المهندسين المتخصصين في الهندسة الإنشائية ، و الجيوتكنيك ، والخرسانة ، وإدارة الإنشاءات ، والتخطيط ، والجودة ، والاختبارات ، والأعمال المساحية ، والأعمال البحرية ، الطرق ، والمرافق.
والخبرة المكتسبة في الضبعة يمكن أن تكون أساسًا لتأهيل هؤلاء المهندسين للعمل في مشاريع نووية دولية مستقبلًا.
وهناك بالفعل مؤشر عملي على القيمة الدولية لهذه الخبرة ؛ فقد ظهرت في 2026 وظائف مرتبطة بموقع الضبعة تستهدف Civil/Construction Engineers وتفضل أصحاب الخبرة في محطات الطاقة النووية ؛ كما أن شركات دولية مشاركة في المشروع تبحث عن كوادر تجمع بين الهندسة المدنية وفهم متطلبات الإنشاء النووي.
وهذا لا يعني أن كل مهندس عمل في الضبعة سيحصل تلقائيًا على وظيفة في مشروع نووي دولي ؛ لكنه يعني أن خبرة الضبعة يمكن أن تصبح ميزة تنافسية قوية عند اجتماعها مع اللغة الإنجليزية ، ومعرفة الأكواد والمعايير، وإدارة الجودة ، والتخطيط ، والسلامة ، والخبرة الموثقة في مشروعات نووية.
من مشروع إلى استراتيجية
المعلن حاليًا هو تنفيذ أربع وحدات نووية بقدرة إجمالية 4,800 ميجاوات في الضبعة ؛ بينما يمثل التوسع الافتراضي إلى 6 وحدات قدرة تبلغ 7,200 ميجاوات ، ثم إلى 8 وحدات قدرة تصل إلى 9,600 ميجاوات ، وتظل هذه الزيادة المستقبلية تصورًا استراتيجيًا مقترحًا.
لكن إذا كانت مصر تنظر إلى الطاقة النووية باعتبارها أحد أعمدة أمنها القومي للطاقة خلال النصف الثاني من القرن الحادي والعشرين ؛ فإن التفكير في التوسع يجب ألا ينتظر انتهاء الوحدات الأربع الأولى.
أربع وحدات = 4,800 ميجاوات.
ست وحدات = 7,200 ميجاوات (+50%).
ثماني وحدات = 9,600 ميجاوات (+100% مقارنة بالمشروع الحالي).
وبالتوازي مع زيادة عدد المفاعلات ؛ يجب أن يكون هناك هدف آخر لا يقل أهمية ، وهو زيادة عدد المهندسين المصريين القادرين على العمل في المنشآت النووية بمستوى عالمي.
فالمفاعل النووي لا يُبنى بالخرسانة والحديد والمعدات فقط ؛ بل يُبنى أيضًا بالمعرفة والخبرة والانضباط الهندسي.
والمهندس المدني المصري الذي يعمل في الضبعة اليوم لا يشارك فقط في إنشاء محطة كهرباء ؛ بل يشارك في بناء أول سجل مصري حديث واسع النطاق للخبرة العملية في إنشاء منشآت نووية سلمية.
ومع تراكم السنوات والخبرة، يمكن لهذه الكوادر أن تنتقل من الضبعة إلى مشروعات نووية أخرى في المنطقة والعالم ؛ سواء في التنفيذ أو إدارة الإنشاءات أو الجودة أو التخطيط أو الاستشارات أو إدارة المشاريع.
وهنا تصبح الضبعة مدرسة حقيقية للمهندس المصري : مشروع وطني في مصر، وخبرة بمعايير دولية ، وفرصة لبناء كوادر قادرة على المنافسة خارج الحدود.
الضبعة قد تكون أكثر من محطة نووية.. قد تكون بداية عصر نووي مصري متكامل قادر علي قيادة المنمن 4 إلى 8 مفاعلات.. الضبعة ترسم ملامح قوة مصر النووية وتبني جيلًا جديدًا من المهندسين