اعتدنا في هذه المساحة أن نتحدث عن قضايا المجتمع والسياسة، لكن مع بداية شهر رمضان المبارك، نختار هذا العام أن نهدئ الإيقاع قليلاً. ليس هذا هروباً من الواقع، بل هو محاولة للاقتراب من مساحة أعمق داخلنا.. مساحة الروح.
لن تتحول هذه المقالات إلى دروس دينية بالمعنى التقليدي، ولن ندخل في شروحات لغوية معقدة؛ فالمكان هنا سيبقى "اجتماعياً" في جوهره، لكن بلمسة روحانية تشبه أجواء هذا الشهر الكريم. سنبحر معاً في عالم أسماء الله الحسنى، لا لنشرحها -فقد شُرحت كثيراً- بل محاولة اعادة اكتشافها برؤية جديدة. الهدف ليس الحفظ، بل "المعايشة"؛ أن تتحول الأسماء من كلمات نحفظها إلى حقائق نلمسها في قراراتنا، وعلاقاتنا، وطريقة مواجهتنا لهذا العالم.
سنختار في كل أسبوع اسماً يلمس تفاصيل حياتنا اليومية، ليكون رفيقاً لنا في رحلة "حياة". سنتأمل كيف ينعكس معنى الاسم على تعاملاتنا، وكيف يمنحنا بوصلة لمواجهة القلق وضغوط الحياة. نحن لا نبحث عن معلومات جديدة، بل نريد استعادة ما نعرفه بوعيٍ مختلف، يحول الفكرة إلى قوة دافعة في واقعنا.
ولكل واحد منا اسم يشعر أنه الأقرب إليه، كأنه يخاطب قلبه مباشرة. ومن هنا أبدأ معكم بالاسم الأقرب إلى تجربتي الشخصية:
اسم الله "الولي"
"الولي" حين يعيد تعريف الأمان
هذا الاسم ليس مجرد صفة، بل هو "حصن أمان" في عالم مليء بالقلق. حين يدرك الإنسان أن أمانه، ونصره، وقربه، وكل تفاصيل حياته تحت ولاية الله، تتغير نظرته لكل شيء. "الولي" هو القريب الذي لا يغيب، والنصير الذي لا يُغلب، والسند الذي لا يتزعزع.
مع "الولي"، يتغير مفهومنا للأمان؛ فالأمان ليس هو "اختفاء المشاكل"، بل هو الشعور بوجود "سند ثابت" لا يهتز مهما اشتدت الظروف.
كيف نعيش مع "الولي" يومياً؟
التعايش مع هذا الاسم ليس مجرد فكرة ذهنية، بل هو ممارسة نلمس أثرها في مواقفنا:
- عند اتخاذ القرار: حين تقف حائراً بين طريقين، يذكرك اسم "الولي" أنك لست وحدك. أنت في رعاية من يتولى أمورك، ويوجه خطواتك نحو الخير، حتى لو لم تفهم الحكمة في اللحظة الأولى.
- في لحظات الخوف: حين يقلقك الغد أو تخشى تقلبات البشر، يصبح هذا الاسم ملجأك. كيف يخاف من يستند إلى ركن قوي لا يغفل ولا ينام؟
- عند الحاجة إلى الدعم: في زمن العلاقات الهشة، قد تبحث عمن تسند إليه ظهرك فلا تجد. هنا يتجلى "الولي" كمرجع دائم؛ تحكي له همك في لحظة صدق، فتخرج من مناجاته أكثر ثباتاً واتزاناً.
باختصار: أن تعيش مع "الولي" يعني أن تبدأ يومك وأنت تعلم أن شؤونك "مُتولّاة" من قِبل كريم، وأن تواجه تحدياتك وأنت مطمئن أن حياتك ليست متروكة للصدفة، وأن تنام وأنت راضٍ لأنك لم تكن وحدك في معركتك مع الحياة.
ختاما
في رمضان هذا العام، لا نبحث عن معلومات إضافية، بل عن يقين أعمق. نفتح نافذة على الروح، ونحاول أن نعيش أسماء الله الحسنى كحقائق نلمسها في وعينا وسلوكنا.
فليكن شعارنا هذا الأسبوع: "اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا".. ليس كآية تُتلى فحسب، بل كحقيقة نعيشها مع كل نبضة قلب.