Saturday, 2026-05-09

شحاتة زكريا يكتب: هل أصبح الأمن الاقتصادي أهم من الأمن العسكري؟

الخط:
مشاركة:
شحاتة زكريا يكتب: هل أصبح الأمن الاقتصادي أهم من الأمن العسكري؟
شحاتة زكريا يكتب: هل أصبح الأمن الاقتصادي أهم من الأمن العسكري؟

لفترات طويلة ظل مفهوم الأمن مرتبطا في أذهان الدول والشعوب بالقوة العسكرية بالجيوش والحدود وحجم التسليح والقدرة على الردع. كانت الدولة القوية تقاس بما تملكه من سلاح وبمدى قدرتها على حماية أراضيها من أي تهديد خارجي. لكن العالم تغير بصورة متسارعة ومع هذا التغير لم يعد الأمن مفهوما أحاديا كما كان بل أصبح أكثر تعقيدا وتشابكا.. اليوم لم تعد التهديدات تأتي فقط عبر الحدود أو من خلال الحروب التقليدية بل أصبحت هناك معارك أخرى أكثر هدوءا… لكنها أشد تأثيرا. معارك الاقتصاد والطاقة، والغذاء، والتكنولوجيا، وسلاسل الإمداد. وهنا يبرز سؤال يفرض نفسه بقوة: هل أصبح الأمن الاقتصادي أهم من الأمن العسكري؟ الإجابة ليست سهلة أو مطلقة لأن العلاقة بينهما لم تعد قائمة على المفاضلة بقدر ما أصبحت علاقة تكامل. لكن الواقع العالمي خلال السنوات الأخيرة كشف بوضوح أن الاقتصاد لم يعد مجرد ملف خدمي أو تنموي بل تحول إلى ركيزة أساسية في مفهوم الأمن القومي للدول.. الحروب الحديثة نفسها أثبتت ذلك.

ففي كثير من الأحيان لم تعد المواجهات تحسم فقط في ساحات القتال بل في قدرة الدول على الصمود اقتصاديا. العقوبات الحصار المالي التحكم في مصادر الطاقة تعطيل سلاسل الإمداد… كلها أدوات أصبحت تستخدم بفاعلية قد تفوق أحيانا تأثير السلاح التقليدي.. العالم شاهد خلال الأزمات الأخيرة كيف يمكن لاضطراب اقتصادي أن يهز استقرار دول كاملة وكيف يمكن لارتفاع أسعار الغذاء أو الطاقة أن يتحول إلى تحدٍ أمني واجتماعي وسياسي في آن واحد. هنا لم يعد الأمن العسكري وحده كافيا لضمان استقرار الدولة لأن الخطر لم يعد دائما دبابة تعبر الحدود بل قد يكون أزمة اقتصادية تضغط على الداخل بصمت.. في المقابل لا يمكن التقليل من أهمية الأمن العسكري. فالدولة التي لا تملك قوة تحمي حدودها وسيادتها تصبح عرضة للضغوط والتهديدات مهما كان اقتصادها قويا. لكن الفارق أن القوة العسكرية نفسها أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بالقدرة الاقتصادية.. الجيوش الحديثة تحتاج إلى اقتصاد قادر على التمويل، والتكنولوجيا، والاستدامة. والدولة التي تعاني اقتصاديا تجد صعوبة في الحفاظ على قوتها العسكرية لفترات طويلة.. ومن هنا يمكن القول إن الاقتصاد لم يعد عنصرا داعما للأمن فقط بل أصبح جزءا من بنيته الأساسية.

الأمن الاقتصادي اليوم لا يعني فقط امتلاك الأموال أو تحقيق معدلات نمو مرتفعة بل يعني قدرة الدولة على حماية مصالحها الحيوية: تأمين الغذاء، توفير الطاقة، دعم الصناعة، الحفاظ على استقرار العملة، وامتلاك قدر من الاستقلال في القرار الاقتصادي.. هذه العناصر لم تعد رفاهية بل أصبحت خطوط دفاع حقيقية لا تقل أهمية عن الحدود العسكرية.

الدول الكبرى نفسها أعادت ترتيب أولوياتها وفق هذا الفهم الجديد.. لم يعد الصراع يقتصر على التسلح بل امتد إلى التكنولوجيا والرقائق الإلكترونية والمعادن النادرة والطاقة النظيفة. وأصبح النفوذ الاقتصادي وسيلة لإعادة تشكيل موازين القوى العالمية حتى باتت بعض الدول قادرة على فرض تأثيرها من خلال الاقتصاد أكثر من القوة العسكرية المباشرة.. لكن وسط هذا التحول يبقى التحدي الحقيقي أمام الدول هو تحقيق التوازن.. لأن التركيز على الاقتصاد وحده دون حماية عسكرية كافية قد يفتح الباب لمخاطر أخرى كما أن الإنفاق العسكري الضخم دون قاعدة اقتصادية قوية قد يتحول إلى عبء يهدد الاستقرار الداخلي.

المعادلة الحديثة لم تعد: أيهما أهم؟ بل كيف تدعم كل قوة الأخرى؟ . وفي منطقتنا تبدو هذه المعادلة أكثر حساسية.

فالشرق الأوسط يعيش وسط تحديات متشابكة صراعات سياسية، تقلبات اقتصادية، وأزمات إقليمية متلاحقة. وفي مثل هذا المناخ يصبح الأمن الاقتصادي ضرورة لا تقل عن الأمن العسكري لأن استقرار المجتمعات بات مرتبطا بشكل مباشر بقدرة الدولة على إدارة مواردها وتحقيق قدر من التوازن المعيشي لمواطنيها.. المواطن اليوم قد لا يرى تفاصيل الاستراتيجيات العسكرية لكنه يشعر فورا بأي اضطراب اقتصادي. يشعر به في الأسعار في فرص العمل وفي مستوى الحياة اليومية. ولهذا أصبحت قوة الدولة تقاس أيضا بقدرتها على الصمود اقتصاديا لا فقط بقدرتها على الردع العسكري.. وفي النهاية يمكن القول إن العالم لم يستبدل الأمن العسكري بالأمن الاقتصادي بل أعاد تعريف مفهوم القوة نفسها القوة اليوم لم تعد في امتلاك السلاح فقط بل في امتلاك اقتصاد قادر على الاستمرار والتكيف وتحمل الأزمات.. فالدولة الحديثة لا تحمي حدودها بالسلاح وحده بل تحميها أيضا بالاقتصاد وبالقدرة على بناء مجتمع مستقر يشعر أفراده بالأمان في حياتهم اليومية.

وربما تكون الحقيقة الأهم أن الحروب المقبلة في كثير من صورها لن تحسم فقط في الميدان بل في المصانع والأسواق ومراكز التكنولوجيا وقدرة الدول على حماية أمنها الاقتصادي بنفس القدر الذي تحمي به أمنها العسكري.. لأن الأمن في معناه الأوسع لم يعد مجرد حماية الأرض…

بل حماية قدرة الدولة على البقاء والاستمرار في عالم لا يعترف إلا بالقادرين على التوازن بين القوة والاقتصاد معا.

W
بقلم: Writer

كاتب ومحرر في بوابة الجمهورية الثانية.