Friday, 2026-06-19

السوشيال ميديا ومحاكم الإعدام المعنوي

الخط:
مشاركة:
السوشيال - شحاتة زكريا
السوشيال - شحاتة زكريا

بقلم: شحاتة زكريا

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتعبير عن الرأي أو تبادل الأخبار والصور والذكريات بل تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحات مفتوحة للمحاكمة الفورية حيث تصدر الأحكام في دقائق وتنفذ العقوبات في ساعات دون تحقيق أو تدقيق أو حتى منح المتهم فرصة للدفاع عن نفسه..في عالم السوشيال ميديا يكفي مقطع فيديو مبتور أو صورة خارج سياقها، أو منشور مجهول المصدر، حتى تبدأ موجة عارمة من الاتهامات والتخوين والتشهير. فجأة يتحول الآلاف إلى قضاة، ومحققين، وخبراء، وكل منهم يمتلك حكمه النهائي الذي لا يقبل الاستئناف.. المشكلة لا تكمن فقط في سرعة انتشار المعلومات بل في سرعة إصدار الأحكام.

 فالكثير منا لم يعد يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن الانفعال. الخبر الذي يثير الغضب ينتشر أسرع من الحقيقة والاتهام يجذب التفاعل أكثر من التوضيح والشائعة أحيانا تجد جمهورا أكبر من الواقع نفسه.. في الماضي كانت هناك مؤسسات معنية بالتحقيق ومحاكم تفصل بين الناس وقوانين تنظم الحقوق والواجبات. أما اليوم فقد أصبح الهاتف المحمول في يد البعض بمثابة منصة لإقامة محكمة كاملة الأركان تبدأ باتهام وتنتهي بحكم بينما يغيب أهم عنصر في أي عدالة حقيقية وهو التحقق. الأخطر من ذلك أن آثار هذه المحاكم الافتراضية لا تتوقف عند حدود الشاشة. فكم من شخص تعرض للتشهير قبل أن تثبت براءته؟ وكم من أسرة دفعت ثمن شائعة لا أساس لها؟ وكم من موظف أو معلم أو طبيب أو فنان أو مسؤول وجد نفسه في مواجهة عاصفة من الاتهامات بسبب معلومة ناقصة أو رواية غير مكتملة؟ لقد أصبح الإعدام المعنوي أحد أخطر الظواهر التي أفرزها العصر الرقمي. فالرصاصة قد تصيب الجسد لكن التشهير يصيب السمعة والكرامة والحياة الاجتماعية والمهنية للإنسان. وقد تمر سنوات طويلة قبل أن يستعيد الشخص جزءا مما فقده بسبب منشور أو حملة إلكترونية أو تعليق متسرع.. ولعل ما يزيد الأمر خطورة أن كثيرا من المشاركين في هذه الحملات لا يدركون أنهم جزء من المشكلة. فبضغطة زر واحدة قد يشارك شخص منشورا مسيئا أو اتهاما غير موثق معتقدا أنه ينقل معلومة أو يدافع عن قضية بينما هو في الحقيقة يساهم في نشر الظلم وإلحاق الأذى بآخرين.. ولا يعني ذلك بالطبع الدعوة إلى الصمت أو التستر على الأخطاء أو منع النقد والمحاسبة. فالنقد حق مشروع وكشف الفساد ضرورة ومواجهة التجاوزات واجب مجتمعي. لكن هناك فرقا كبيرا بين النقد المسؤول وبين التشهير وبين المطالبة بالمحاسبة وبين إصدار الأحكام المسبقة.. المجتمعات القوية لا تقوم على الانفعالات بل على الحقائق. ولا تبنى العدالة فيها على عدد المشاركات والإعجابات والتعليقات وإنما على الأدلة والإجراءات والقانون. فالحقيقة لا تقاس بحجم التفاعل والعدل لا يحدد بعدد المتابعين.. إن أخطر ما في محاكم السوشيال ميديا أنها تمنح البعض شعورا زائفا باليقين. فكل طرف يعتقد أنه يمتلك الحقيقة الكاملة بينما الواقع غالبا أكثر تعقيدا مما يبدو على الشاشات. وما يظهر في دقيقة مصورة قد يخفي وراءه ساعات من الأحداث والتفاصيل التي لا يعرفها أحد.. ولذلك فإن الحاجة أصبحت ملحة إلى تعزيز ثقافة التحقق قبل النشر والتفكير قبل المشاركة والتروي قبل الحكم. فليس كل ما ينشر صحيحا وليس كل ما يتداول حقيقة وليس كل متهم مدانا...كما أن المؤسسات الإعلامية الجادة مطالبة بدور أكبر في مواجهة الشائعات وتقديم المعلومات الدقيقة لأن الفراغ المعلوماتي غالبً

ا ما يكون البيئة المثالية لانتشار الأخبار المضللة والأحكام المتسرعة.. ويبقى الرهان الحقيقي على وعي المجتمع نفسه. فالمجتمع الذي يحترم القانون لا يستبدل القضاء بالهاشتاج ولا يستبدل التحقيق بالشائعة ولا يستبدل الحقيقة بالانفعال. فكل إنسان قد يجد نفسه يوما ما في موضع الاتهام بسبب خطأ في الفهم أو اجتزاء للحقيقة أو حملة منظمة لا تعرف الرحمة...وفي النهاية فإن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون حرية والتفاعل مسؤولية قبل أن يكون حقا والعدالة قيمة لا يجوز أن تتحول إلى مشهد استعراضي على منصات التواصل. فبين منشور يحقق آلاف الإعجابات وإنسان يفقد سمعته ومستقبله وحياته بسبب هذا المنشور تقف مسؤوليتنا الأخلاقية والإنسانية أمام اختبار حقيقي.. فليست كل محكمة تقام على الشاشات تحقق العدالة وليست كل ضجة إلكترونية تعني أن الحقيقة قد ظهرت. أحيانا تكون الحقيقة هي أول ضحايا هذه المحاكم ويكون الإنسان هو الخاسر الأكبر في معركة لم تمنح له فيها فرصة الدفاع عن نفسه.

W
بقلم: Writer

كاتب ومحرر في بوابة الجمهورية الثانية.