fbpx
تقاريرمقالات

جمال طه يكتب: هجوم أوكرانيا المباغت ومستقبل حرب الناتو ضد روسيا

الكاتب السياسي/ جمال طه
الكاتب السياسي/ جمال طه

الحرب تحولت الى مواجهة بين روسيا وحلف «ناتو» الداعم لأوكرانيا، أطرافها يدركون ان الأسابيع القادمة قبل نزول الجليد حاسمة في تثبيت الأوضاع على الأرض، ربما بصورة نهائية، لذلك يستعدون لمعارك فاصلة.

وزراء مالية دول مجموعة السبع وافقوا في 3 سبتمبر على الاقتراح الأميركي البريطاني، بفرض حد أقصى لسعر النفط الروسي، للحد من عائدات موسكو، وتقويض قدرتها على تمويل الحرب، خاصة وأنها سجلت زيادات ضخمة رغم العقوبات الغربية؛ فقبل الحرب كانت عائدات بيع النفط للدول الأوروبية 200 مليون يورو يوميا، الحرب قللت الكميات المصدرة، لكن ارتفاع السعر ضاعف العائدات لتصل الى 500 مليون يورو يوميا.

روسيا رفضت القرار، وأكدت عدم بيع النفط لأي دولة تلتزم به، واتخذت فورا اجراء موجع، بوقف ضخ الغاز لأوروبا بصورة كاملة عبر خط نورد ستريم1، وإلى أجل غير مسمى.. المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أكد أن هذا القرار ردا على خطأ الدول الغربية بفرض العقوبات، التي تحول دون تأمين صيانة البنى التحتية للغاز.

القرار الروسي نقل المواجهة مع «ناتو» الى مرحلة جديدة وخطيرة، وأشعل أسواق الطاقة، فارتفعت أسعار الغاز بنسبة 30%، وحققت زيادة نسبتها 400% مقارنة بنفس الفترة من عام 2021، وأصبح العالم على شفا أزمة اقتصادية جديدة، تهدد بتراجع معدلات النمو، ودفع اقتصاديات دول العالم لحالة ركود، كما تعزز توقعات التضخم، وتطيح بأسعار الأسهم الأوروبية وقيمة اليورو.. لذلك لم يكن غريبا ان تتراجع المفوضية الأوروبية عن القرار، وتستبدله بفرض ضرائب إضافية على الأرباح الزائدة لشركات الطاقة.. والحقيقة ان ذلك التراجع يعكس التخبط الغربي في التعامل مع الأزمة باستخدام عقوبات غير فعالة، تضر أصحابها أكثر مما تضر موسكو.

أوكرانيا استشعرت ان روسيا تحاول تجميد الصراع بعدما حققته من مكاسب، بهدف إبعاد أوروبا عن المواجهة، وعزلها عن واشنطن، خاصة وان قدوم فصل الشتاء سيقلص الدعم لكييف تلقائيا، نتيجة لمشاكل نقص الطاقة وارتفاع أسعارها، مما قد يسمح لموسكو بسحق الجيش الأوكراني.. الضغوط الروسية باستخدام مصادر الطاقة تستهدف المانيا وإيطاليا كأولوية أولى باعتبارهما أكبر المستهلكين، والتنازلات التي تقدمها موسكو للأصدقاء والمترددين، مثل المجر واليونان وبلغاريا وصربيا، قد تؤدى إلى انشقاق الموقف الأوروبي وافشال العقوبات.

تخوفات كييف ضاعفتها ما رصده معهد كيل للاقتصاد العالمي من انخفاض شحنات المساعدات العسكرية إلى أوكرانيا، حيث لم تتعهد 6 دول أوروبية كبرى «بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا وبولندا» بأي التزامات عسكرية جديدة منذ يوليو 2022.. وفي نفس الوقت، ارتفعت تجارة أوروبا مع روسيا، بزيادة نفس الدول -التي خفضت صادراتها من الأسلحة لأوكرانيا- لصادراتها السلعية الى روسيا، حتى قاربت مستويات ما قبل الحرب تقريبا، أما ما خسرته صادرات النفط الروسية نتيجة للعقوبات، فقد عوضتها المكاسب الناتجة عن الارتفاع الكبير في الأسعار، فضلا عن زيادة الصين والهند لوارداتهما من النفط الروسي؛ الأولى بنسبة 55%، والثانية أصبحت روسيا ثاني أكبر مصادرها.. السعودية أيضا ضاعفت وارداتها من النفط الروسي، وتركيا اعتمدت على روسيا لتلبية أكثر من نصف احتياجاتها.

هذه التغيرات أدت الى حالة من الترهل في تنفيذ العقوبات ضد روسيا؛ فالشركات الدولية الأمريكية التي غادرت روسيا ضمن العقوبات، تسعى للعودة سرا، سواء من خلال فروع شركاتها بالمناطق الحرة في دبي، أو من خلال الشركات التركية كوسيط، بهدف تغطية خسائرها في السوق الروسية، وتأمين احتياجاتها من السلع الاستراتيجية، وعلى رأسها البتروكيماويات والوقود المعدني، والمعادن الثمينة والأحجار والحبوب والحديد والصلب، والأسمدة والمواد الكيميائية غير العضوية ومنتجات المياه والمشروبات الكحولية.

القيادة الأوكرانية راعتها هذه التطورات، إضافة الى تراجع حماس البريطانيين لفرض مزيد من العقوبات ضد روسيا، نتيجة الارتفاع الحاد لفواتير الكهرباء والطاقة وغلاء المعيشة الناجم عنها، وتوقيع أكثر من 100 ألف بريطاني على عريضة تدعو إلى عدم دفع فواتير الطاقة المنزلية المرتفعة، مما قد يجبر البرلمان البريطاني على بحث الأمر، وتحميل الحرب الأوكرانية مسئولية ذلك، فضلا عن خروج مظاهرة حاشدة في التشيك تحمّل الموقف الأوروبي من الحرب، مسؤولية نقص إمدادات الطاقة وارتفاع الأسعار.. كل هذه التطورات أثارت مخاوف كييف من ان الأزمة المتوقعة في الشتاء القادم قد تولد ضغوطا شعبية ضد الحكومات الأوروبية، للتخفف من أعباء الدعم لأوكرانيا.

حتى المكاسب التي حققتها أوكرانيا بالتفاوض مع روسيا من خلال الأمم المتحدة وتركيا كوسيط، والمتعلقة بتصدير الحبوب عبر ميناء أوديسا، وهو ما وجدت فيه كييف مصدرا لعائدات مالية جيدة، وتأمينا للميناء ضد التمدد الروسي، هذا الاتفاق يتعرض للمراجعة من جانب روسيا، بذريعة ان جزءا ضئيلا جدا من الحبوب الأوكرانية هي التي تم تصديرها إلى الدول الفقيرة، خلافا لما ينص عليه الاتفاق الدولي، ورغم محاولات بريطانيا تأكيد صحة الالتزام بتنفيذ شروط الاتفاق، الا انها أوضحت ان 30% من الحبوب التي تم تصديرها بموجب الاتفاق وصلت إلى دول منخفضة ومتوسطة الدخل في أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا، وهو ما يتفق مع زعم بوتين، مما يطرح احتمالات تراجع روسيا عن الالتزام به، وخسارة أوكرانيا ما ترتب عليه من مزايا.

كل ما تقدم من اعتبارات كانت تفرض على كييف سرعة المبادرة بعمل عسكري، يحرك المياه الراكدة، ويجبر الغرب على الاستمرار في تقديم الدعم لها.

القوات الأوكرانية بدأت منذ 5 أغسطس في قصف محيط محطة الطاقة النووية في زابوريجيا في الجنوب، وبالطبع ردت عليها القوات الروسية التي تحتلها منذ مارس 2022 بالمثل.. المحطة هي الأكبر في أوروبا، وتوفر 25- 30% من احتياجات اوكرانيا من الكهرباء، وكانت هناك تخوفات من جانب أوكرانيا باحتمال اقدام روسيا على قطع الكهرباء عن أوكرانيا في الشتاء كنوع من الضغط الإضافي، لذلك فقد استهدف القصف الأوكراني إثارة المخاوف الأوروبية، من احتمالات وقوع كارثة نووية مشابهة لتلك التي شهدتها محطة تشيرنوبيل عام 1986، مما يدفعها للمطالبة بالانسحاب الفوري للقوات الروسية من نطاق المحطة، ونقلها للسيطرة الغربية أو الأوكرانية.

وبالفعل سُمح لوفد من الوكالة الدولية للطاقة الذرية بتفتيش الموقع في 1 سبتمبر، وجاء تقريره محققا للهدف الأوكراني، حيث اعتبر أن الوضع «لا يمكن تحمّله»، داعيا لإقامة «منطقة أمنية» محايدة في محيط المحطة.. ولما لم تسفر الضغوط الدولية عن أي نتيجة، فقد اضطرت شركة «إنرجواتوم» الحكومية المسؤولة عن تشغيل المحطة النووية، الى وقف تشغيل المحطة بالكامل في 10 سبتمبر، وفصل وحدات التوليد عن شبكة الكهرباء.

استخدام محطة زابوريجيا النووية في الضغط على موسكو لم يكن مجديا، ما فرض على أوكرانيا ان تثبت للغرب بعد سبعة شهور من الحرب، ان دعمه العسكري لم يضيع هباء، بل انعكس على ميزان القوة العسكرية ميدانيا.. الجيش الأوكراني بدأ هجوماً خداعيا في قطاع خيرسون الاستراتيجي بالجنوب مطلع سبتمبر.. استهدافها كان منطقيا، لأنها تقع شمال وغرب نهر دنيبر، الذي يخترق أوكرانيا، من كييف إلى البحر الأسود، ويعتبر أهم حاجز استراتيجي يقسم البلاد إلى ضفتين، حيث توجد الحامية العسكرية الروسية الوحيدة غرب النهر في ذلك القطاع، مما قد ييسر حصارها وعزلها عن قوات الشرق، بهدم الجسور.. خيرسون تقود أيضا إلى شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا عام 2014، وتعتمد على نهر دنيبر كمصدر لمياه الشرب والزراعة، مما يبرر استهدافها..

فضلا عن ان الهجوم الأوكراني بدا وكأنه يعرقل اجراء استفتاء روسي في خيرسون لضمها لروسيا، أسوة بدونيتسك ولوهانسك.

الهجوم على خيرسون شهد تنفيذ تكتيكات عسكرية متطورة، لتحييد أنظمة الدفاع الجوي الروسية، بالبدء بموجات قصف من الصواريخ الأوكرانية الصنع «توتشكا» بدون رؤوس حربية!!، يعقبها قصف حقيقي بصواريخ «هيماريس» الأميركية المتقدمة، لمستودعات الذخيرة الروسية والمراكز اللوجستية ومراكز القيادة والسيطرة ورادارات الدفاع الجوي، صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية أجرت لقاءات مع الأطباء والجرحى بأحد المستشفيات الأوكرانية القريبة من جبهة خيرسون، وكان هناك إجماع على ان الخسائر بالغة الفداحة، لكن المهم انه نجح في دفع روسيا لسحب قرابة 24 ألف جندي من الوحدة 35 بمنطقة دونباس، لتعزيز قوات الوحدة 49 في الجنوب دفاعا عن خيرسون.. موسكو التقمت الطعم.

الجيش الأوكراني شن هجوما مباغتا، حقق اختراقا مفاجئا لخطوط الدفاع الروسية بقطاع خاركوف في الشمال الشرقي يوم 10 سبتمبر، وسرعان ما اقتحم منطقة كوبيانسك، وبالاكليا وتقدم بمنطقة إيزيوم قاطعا الطريق الذي تستخدمه القوات الروسية لتوصيل الإمدادات الي تشكيلاتها شرق أوكرانيا.. هذا التحول الميداني الخطير أجبر القوات الروسية على الانسحاب من قطاع خاركوف، واعادة تجميع قواتها قرب دونيتسك جنوب البلاد، لأن دقة استهداف المواقع الاستراتيجية الروسية، وتكتيكات القصف التي حيدت شبكات الدفاع الجوي، وخطة الهجوم الخداعي في الجنوب، الذي سبق الزخم الرئيسي في الشمال، كل ذلك كان يحمل بصمات القيادة العسكرية البريطانية برؤيتها الاستراتيجية العميقة، وتسهيلات مصادر المعلومات والتجسس الالكتروني الأمريكية، وهو ما أقنع الروس بضرورة التراجع المرن، تجنبا لكارثة قد تطيح بالتوازن العسكري في الحرب.

الروس خسروا معركة خاركوف، لكن الخسائر الأوكرانية فادحة، لأن هدف الهجوم كان سياسيا بامتياز، مما قد يقيد قدرتهم على الاستمرار بنفس الزخم خلال الشهور المقبلة.. روسيا لا تزال هي الطرف الأقوى، وليس لدي بوتين أي استعداد لتقبل هزيمة، حتى لو اضطر لإعلان الحرب استنادا الى مواجهته الراهنة مع الناتو، مما يسمح بدفع نصف مليون محارب نظامي للجبهات، وقد يتم البدء في تدمير شبكات الخدمات والمرافق الأساسية في أوكرانيا، وربما استخدام الأسلحة النووية التكتيكية إذا ما تطلب الأمر ذلك.

التحول الميداني الأخير تم على مستوى معركة تكتيكية، وربما كان وسيلة يسعى من وراءها الغرب لإحداث قدر من التوازن، يحفظ ماء وجه كييف، عند الضغط عليها لتسوية الأزمة سياسيا، بصورة تكرس بعض المكاسب الروسية، وتفرض بعض التراجع المرضى لأوكرانيا، تجنبا لتطور العملية الى حرب شاملة، التصريح الأخير لجوزيب بوريل مفوض السياسة الخارجية والأمن بالاتحاد الأوروبي أمام برلمان أوروبا، الخاص بحث أوكرانيا على بدء المفاوضات مع روسيا في أقرب وقت ممكن، يؤكد هذا الاتجاه.

بعد سبع شهور من الحرب، أدرك الغرب صعوبة استمرار العالم وسط تفاقم تداعيات الأزمة الدولية.. الشهور القادمة قد تشهد ذروة تصعيد المعارك، حتى يصل الجميع الى قناعة باستحالة مواصلة النزيف، فتبدأ التسوية السياسية، التي أصبح الجميع -باستثناء أوكرانيا- متلهفين لمقدمها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى