بقلم: عمار ياسر
تُعد الموهبة من أكثر المفاهيم التي أسيء فهمها في مجتمعاتنا. فكثيرًا ما نختزلها في مستوى مرتفع من الذكاء، أو قدرة استثنائية في مجال معين، أو إنجاز مبكر يلفت الأنظار. وما إن يظهر طفل يتقن العزف، أو طالب يتميز في الرياضيات، أو شاب يمتلك قدرة إبداعية لافتة، حتى نُطلق عليه وصف "الموهوب"، وكأن هذا الوصف وحده يكفي لضمان مستقبله
كم من موهبة لامعة انطفأت بعد سنوات قليلة؟ وكم من شخص لم يُعرف يومًا بأنه موهوب، ثم استطاع أن يحقق إنجازات تجاوزت كل التوقعات؟
هذه المفارقة تكشف أن الموهبة، على أهميتها، ليست العامل الحاسم في النجاح. فما يصنع الفارق الحقيقي هو الكيفية التي تُدار بها تلك الموهبة نفسيًا وسلوكيًا عبر الزمن.
ومن هنا تأتي أهمية علم النفس؛ فهو لا ينظر إلى الموهبة بوصفها قدرة فطرية فحسب، بل باعتبارها منظومة إنسانية متكاملة تتداخل فيها العمليات المعرفية، والانفعالية، والدافعية، والاجتماعية. فالقدرة العقلية قد تمنح الإنسان بداية جيدة، لكنها لا تضمن له الاستمرار، لأن الاستمرار يتطلب بناءً نفسيًا قادرًا على تحمل الضغوط، وإدارة الفشل، وتأجيل المكافأة، والمحافظة على الدافعية رغم التحديات.
ولعل أول ما ينبغي إدراكه هو أن الموهبة ليست كيانًا مستقلًا عن شخصية صاحبها. إنها جزء من الإنسان، تتأثر بحالته النفسية كما تتأثر ببيئته وخبراته. ولهذا فإن أي اضطراب في التوازن النفسي قد ينعكس مباشرة على أداء الموهوب، حتى وإن ظلت قدراته العقلية كما هي.
إننا كثيرًا ما نلاحظ تراجع أداء بعض الموهوبين، فنُرجع ذلك إلى الكسل أو ضعف الالتزام، بينما يكون السبب الحقيقي أكثر تعقيدًا. فقد يكون هذا التراجع نتيجة قلق مزمن، أو احتراق نفسي، أو خوف من الفشل، أو شعور بأن قيمته الإنسانية أصبحت مرتبطة بقدرته على التفوق المستمر. وهنا تتحول الموهبة من مصدر للإبداع إلى مصدر للضغط النفسي.
ومن منظور علم النفس، فإن أخطر ما قد يواجه الموهوب ليس الفشل، وإنما الخوف من الفشل.
فالإنسان الذي اعتاد أن يُمدح لأنه "الأفضل" قد يصبح أكثر حرصًا على حماية هذه الصورة من خوض تجارب جديدة قد لا ينجح فيها من المحاولة الأولى. ومع مرور الوقت، قد يتجنب التحديات، ويؤثر البقاء داخل دائرة الإنجازات المضمونة، فيتوقف نموه الحقيقي دون أن يشعر.
وهذه الظاهرة ليست نادرة، بل كثيرًا ما تظهر لدى الأطفال الذين يرتبط تقديرهم الاجتماعي بالتفوق وحده. فعندما يشعر الطفل أن حب الآخرين أو احترامهم مشروط بالنجاح، يصبح الخطأ بالنسبة إليه تهديدًا لهويته، لا مجرد فرصة للتعلم.
ولهذا فإن الإدارة النفسية للموهبة لا تبدأ بتطوير المهارة، وإنما تبدأ ببناء مفهوم صحي للذات. فالموهوب يحتاج إلى أن يدرك أن قيمته لا تُقاس بنتيجة اختبار، ولا بمركز في مسابقة، ولا بعدد الجوائز التي يحصل عليها، وإنما بإنسانيته أولًا، وبقدرته على التعلم والتطور ثانيًا.
ومن الجوانب التي يغفلها كثيرون أن الدافعية ليست موردًا ثابتًا. فقد يبدأ الموهوب رحلته بحماس كبير، ثم تتراجع دافعيته مع الوقت نتيجة الضغوط أو المقارنات المستمرة أو غياب الشعور بالمعنى. لذلك فإن إدارة الموهبة تعني أيضًا إدارة الدافعية، وتجديدها، وربط الإنجاز بقيم داخلية مثل حب التعلم والإتقان، بدلًا من ربطه بالمكافآت الخارجية أو إعجاب الآخرين.
كما أن المرونة النفسية تمثل أحد أهم مقومات استمرار الموهبة. فالنجاح لا يسير في خط مستقيم، بل يمر بمحطات من الإخفاق، والنقد، والإحباط، وإعادة المحاولة. والشخص الذي يمتلك مرونة نفسية يستطيع أن يتعامل مع هذه الخبرات باعتبارها جزءًا طبيعيًا من عملية النمو، بينما قد يفسرها غيره على أنها دليل على عدم الكفاءة، فينسحب مبكرًا رغم امتلاكه قدرات عالية.
ولا تقل البيئة أهمية عن الفرد نفسه. فالأسرة التي تبالغ في الضغط على أبنائها بدافع الحرص على نجاحهم قد تُضعف قدرتهم على الاستمتاع بموهبتهم. والمدرسة التي تجعل المقارنة الدائمة معيارًا للتفوق قد تزرع القلق بدلًا من الثقة. وحتى المؤسسات المهنية قد تُهدر طاقات موظفين موهوبين إذا تعاملت معهم بوصفهم أدوات إنتاج، لا أفرادًا يحتاجون إلى التقدير والدعم والتوازن.
إن إدارة الموهبة، في جوهرها، ليست إدارة للقدرات، بل إدارة للإنسان الذي يحمل تلك القدرات. فالموهبة لا تنمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تزدهر في ظل الاحتراق النفسي، ولا تستمر إذا فقد صاحبها المعنى الذي يعمل من أجله.
أحد أكبر الأخطاء التي نقع فيها هو الاستثمار في تنمية المهارات مع إهمال بناء الشخصية. فنحن ننفق الوقت والمال لتعليم اللغات، أو تطوير المهارات التقنية، أو التدريب على الأداء، بينما نهمل مهارات أكثر تأثيرًا على المدى البعيد، مثل تنظيم الانفعالات، والانضباط الذاتي، وإدارة الضغوط، والتواصل الصحي، والقدرة على التكيف مع التغيير.
لقد أثبتت الخبرة النفسية أن الإنجازات الكبرى لا يصنعها الذكاء وحده، بل يصنعها تفاعل الذكاء مع شخصية ناضجة، ودافعية مستقرة، ومرونة نفسية، وإحساس واضح بالهدف. فالقدرات قد تمنح الإنسان فرصة البداية، لكن شخصيته هي التي تحدد قدرته على مواصلة الطريق.
إن مستقبل رعاية الموهوبين يجب ألا يقتصر على اكتشافهم أو تدريبهم، بل ينبغي أن يتضمن برامج متخصصة تعنى بصحتهم النفسية، وتدعم نموهم الانفعالي والاجتماعي، وتساعدهم على بناء هوية متوازنة لا تجعل الإنجاز هو المصدر الوحيد لقيمتهم الذاتية.
السؤال الحقيقي ليس: كيف نكتشف الموهبة؟ فوسائل اكتشافها أصبحت أكثر تطورًا من أي وقت مضى.
أما السؤال الأكثر أهمية فهو: كيف نحافظ على الموهبة حتى لا تستهلكها الضغوط، أو تطفئها التوقعات، أو يهزمها الخوف؟
الإجابة عن هذا السؤال هي ما يجعل علم النفس شريكًا أساسيًا في إدارة الموهبة. فالموهبة قد تكون هبة يولد بها الإنسان، أما القدرة على حمايتها، وتنميتها، واستثمارها، فهي عملية نفسية وتربوية مستمرة، تبدأ ببناء الإنسان قبل الاهتمام بما يستطيع أن ينجزه.