Thursday, 2026-09-03

عندما يتحول الموروث الثقافي من مصدر للهوية إلى مصدر للمعاناة النفسية

الخط:
مشاركة:
الموروث - عمار ياسر
الموروث - عمار ياسر

ليس كل ما نرثه عن آبائنا وأجدادنا مجرد عادات نمارسها ثم ننساها؛ فبعض الموروثات الثقافية تصبح جزءًا من الطريقة التي نفكر بها، ونرى بها أنفسنا، ونحكم بها على تصرفاتنا وتصرفات الآخرين.

يمنح الموروث الثقافي الإنسان شعورًا بالهوية والانتماء، ويمنحه مجموعة من القيم التي تساعده على فهم العالم من حوله. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الموروث من إطار يساعد الإنسان على الحياة إلى مجموعة من القواعد الصارمة التي تحكم تفاصيل حياته.

هنا، يمكن لما كان مصدرًا للهوية والانتماء أن يتحول إلى مصدر للضغط والمعاناة.

فبعض الأشخاص لا يعيشون حياتهم وفقًا لما يريدون، وإنما وفقًا لما يتوقعه الآخرون منهم.

«ماذا سيقول الناس؟»

«هذا عيب.»

«لا يصح أن تفعل ذلك.»

«يجب أن تتحمل.»

«الرجل لا يظهر ضعفه.»

«الزواج لا بد أن يستمر مهما حدث.»

قد تبدو هذه العبارات بسيطة، لكنها عندما تتكرر أمام الإنسان منذ طفولته، يمكن أن تتحول تدريجيًا إلى جزء من طريقة تفكيره، وإلى قواعد داخلية تحدد ما يفعله وما لا يفعله.

المشكلة ليست في احترام المجتمع أو الحفاظ على القيم، وإنما تبدأ عندما يصبح الإنسان غير قادر على اتخاذ قرار بشأن حياته إلا بعد أن يسأل نفسه: كيف سينظر الآخرون إليّ؟

وهنا تظهر صورة أخرى من صور المعاناة النفسية.

قد يكون الإنسان غير سعيد في عمله، لكنه يستمر فيه لأن تركه «ليس مقبولًا».

وقد يعيش علاقة تستنزفه نفسيًا، لكنه يخشى الانفصال بسبب نظرة المجتمع.

وقد يشعر بالحزن أو القلق، لكنه يخفي مشاعره حتى لا يُوصم بالضعف.

وقد يحتاج إلى استشارة متخصص نفسي، لكنه يتردد لأن طلب المساعدة لا يزال، في نظر البعض، علامة على وجود مشكلة يجب إخفاؤها.

في مثل هذه الحالات، لا يكون الموروث الثقافي هو السبب الوحيد للمعاناة، لكنه قد يصبح جزءًا من الصراع الداخلي الذي يعيشه الإنسان.

الصراع بين ما يشعر به وما يُفترض أن يشعر به.

بين ما يريده وما يتوقعه الآخرون منه.

بين حياته الحقيقية والصورة التي يحاول الحفاظ عليها أمام المجتمع.

ولعل أصعب أنواع الضغط النفسي هو ذلك الذي لا يأتي من شخص آخر، وإنما يتحول مع الوقت إلى صوت يسكن داخل الإنسان نفسه.

صوت يقول له:

«لا تفشل.»

«لا تظهر ضعفك.»

«لا تختلف.»

«لا تقل: لا.»

«تحمّل مهما حدث.»

«المهم كلام الناس.»

ومع مرور الوقت، قد يصبح الإنسان هو نفسه الرقيب على ذاته، فيراقب كلماته، وقراراته، ومشاعره، وحتى أحلامه، خوفًا من مخالفة ما تعلّمه أو ما يتوقعه منه الآخرون.

لكن الإنصاف يقتضي أن نقول إن الموروث الثقافي ليس عدوًا للصحة النفسية.

على العكس، فالكثير من القيم الثقافية يمكن أن تمنح الإنسان الدعم والانتماء والشعور بالأمان، مثل التضامن الأسري، ومساعدة الآخرين، واحترام الروابط الاجتماعية، والوقوف إلى جانب الإنسان في أوقات الأزمات.

إذن، المشكلة ليست في الموروث ذاته، وإنما في الطريقة التي نتعامل بها معه.

هناك فرق بين أن نحافظ على قيمنا، وبين أن نجعل الإنسان أسيرًا لها.

وهناك فرق بين احترام رأي المجتمع، وبين أن يصبح رأي المجتمع أهم من سلام الإنسان النفسي.

وهناك فرق بين تعليم الطفل الصبر، وبين تعليمه أن عليه تحمّل كل شيء.

وربما نحتاج اليوم إلى إعادة قراءة بعض ما ورثناه، لا بهدف التخلص منه، وإنما بهدف التمييز بين ما يمنح الإنسان القوة، وما يفرض عليه عبئًا لا يستطيع حتى الحديث عنه.

فالثقافة الصحية ليست تلك التي تمنع الإنسان من الاختلاف، وإنما التي تسمح له بأن يختلف دون أن يفقد انتماءه.

وليست تلك التي تمنعه من التعبير عن ضعفه، وإنما التي تعلمه كيف يطلب المساعدة عندما يحتاج إليها.

وليست تلك التي تجعل الإنسان يعيش طوال الوقت أسيرًا للخوف من «ماذا سيقول الناس؟»، وإنما التي تساعده على أن يسأل سؤالًا آخر:

ماذا أحتاج أنا؟ وما الذي يتوافق مع قيمي ويحافظ على إنسانيتي؟

في النهاية، لا ينبغي أن ننظر إلى الموروث الثقافي باعتباره مشكلة يجب التخلص منها، بل باعتباره إرثًا يحتاج أحيانًا إلى إعادة تفسير.

فالتراث الذي يمنح الإنسان جذوره ويعزز انتماءه يستحق أن نحافظ عليه، أما الأفكار التي تجعله يعيش في خوف دائم من نفسه ومن الآخرين، فيمكننا مراجعتها دون أن نفقد هويتنا.

فالهوية تمنح الإنسان جذورًا، لكن عندما تتحول القواعد الموروثة إلى قيود لا تسمح له بأن

 يكون نفسه، فقد تتحول الجذور نفسها إلى ما يثقل حركته بدلًا من أن تمنحه القوة على النمو.

 

W
بقلم: Writer

كاتب ومحرر في بوابة الجمهورية الثانية.