بقلم: محمد فؤاد البري
عند متابعة الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية نجد أن دور العرف تراجع أمام مؤسسات الدولة، وأصبحنا نعيش في دولة القانون لا دولة الأعراف. فقد تراجعت المجالس العرفية في ضبط المجتمع أمام دور أقسام الشرطة، وأصبحت وزارة الداخلية تقوم بالدورين معاً؛ دورها الرئيسي، والدور الذي كان يلعبه العرف في الماضي.
في السابق كان المجتمع المصري يحاول قدر الإمكان الابتعاد عن أقسام الشرطة وحل مشكلاته بالطرق العرفية، لكن هذا الأمر تغير جذرياً، خاصة مع الأجيال الحديثة. فأصبح شباب الجيل الرقمي هم أنفسهم من يستدعون الشرطة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من خلال «المنشن» والإبلاغ عن أي سلوك لا يرضون عنه.
وهذا التغير يعكس مرحلة جديدة من التطور الاجتماعي، تراجع فيها العرف أمام المجتمع المدني. فالأجيال الرقمية، من جيل «واي» إلى «Z» و«ألفا»، أكثر تحرراً من الأجيال القديمة التي كانت أكثر تمسكاً بالتقاليد والأعراف، وهو ما سيؤدي مستقبلاً إلى تغيرات اجتماعية واسعة، وظهور منظومة أخلاقية جديدة يصعب التنبؤ بنتائجها، لتصبح المسؤولية أكبر على أجهزة الأمن ومؤسسات المجتمع المدني.
وهنا يطرح المقال سؤالاً جوهرياً: هل يختلف قانون العرف عن القانون المدني؟
هناك تشابهات كثيرة بينهما، فالعرف أحد مصادر القانون، لكن الاختلاف يظهر عندما تتغير الظروف الاجتماعية ويصبح بعض الأعراف غير ملائم للعصر. ولذلك تدخل القانون في قضايا كثيرة تخص الطفل والمرأة والأسرة، بهدف تعديل أعراف كانت سائدة في الماضي.
لكن المشكلة ليست في أيهما أقوى: العرف أم القانون، وإنما في قدرة المجتمع على استيعاب التغيرات. فقد يؤدي إلغاء عرف مستقر واستبداله بقانون لا يتناسب مع طبيعة المجتمع إلى نتائج غير متوقعة. ومن هنا تظهر أهمية أن يتكامل القانون مع القيم الأخلاقية والاجتماعية، لا أن يعمل بمعزل عنها.
لكن لماذا أوشك العرف على الانطفاء؟
السبب المباشر أن العرف فقد القوة التي كانت تحمي أحكامه وتضمن تنفيذها. فقد كان كبير العائلة أو العمدة أو شيخ البلد يمثل سلطة اجتماعية حقيقية، وكان للمجالس العرفية رجال قادرون على فرض قراراتها. أما اليوم فقد تراجعت هذه الأدوار، وأصبحت الدولة بمؤسساتها الأمنية والقضائية هي صاحبة القوة التنفيذية.
وساهم في ذلك عدد من التحولات الكبرى، منها الانفتاح الاقتصادي، وسقوط نفوذ العائلات الكبيرة والإقطاعيين، وصعود طبقات اجتماعية جديدة، وانتشار التعليم الجامعي، وهجرة الفلاحين، ودخول الكهرباء والتكنولوجيا إلى القرى، وهي كلها عوامل أضعفت البنية التقليدية للمجتمع.
وأصبح المجتمع المصري اليوم في مرحلة انتقالية؛ جزء منه تخلى عن كثير من الأعراف، لكنه لم يصل بالكامل إلى مرحلة النضج التي تجعله يحترم القانون، بينما تحاول الأقلية المحافظة، خاصة كبار السن، فهم أجيال جديدة تختلف في أفكارها وسلوكها، فيما يعرف بـ«صراع الأجيال».
فهل يجب أن نفقد ذاكرة العرف؟
بالتأكيد لا؛ لأن العرف جزء من هوية المجتمع، وخاصة المجتمعات التي تمتلك شخصية اجتماعية مميزة مثل صعيد مصر. والمطلوب ليس أن يحل العرف محل القانون، وإنما أن يتكامل معه في الحدود التي لا تتعارض مع القانون أو الحقوق الأساسية.
كما أن العرف يظل مهماً في أوقات الأزمات التي قد تضعف فيها مؤسسات الدولة، إذ يمكن للقيم والعادات المتوارثة أن تمنع الفوضى وتحافظ على تماسك المجتمع. ولهذا نجد أن المجتمعات الشعبية والريفية التي مازالت تتمسك بروابطها الاجتماعية قد تكون أكثر تماسكاً في الأزمات من المجتمعات الجديدة التي لم تتشكل فيها أعراف مشتركة بعد.
وهل تراجع العرف أدى إلى ارتفاع الجريمة؟
الإجابة ليست بسيطة؛ فالتمسك بالعرف قد يكون أحياناً سبباً في الجريمة، كما يحدث في جرائم الثأر وبعض قضايا الشرف، بينما يؤدي الاحتكام إلى القانون في مثل هذه الحالات إلى الحد من العنف.
كما أن الشعور بارتفاع معدلات الجريمة اليوم لا يعني بالضرورة أنها أكثر من الماضي؛ فقد كانت جرائم كثيرة تقع قديماً في الخفاء ولا تصل إلى الرأي العام، بينما أصبحت الجريمة اليوم مصورة وموثقة بكاميرات المراقبة، وتنتشر فوراً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مع سرعة استجابة الأجهزة الأمنية.
والحقيقة أن الجريمة موجودة في كل زمان ومكان، لكن تطور أدوات الأمن والتكنولوجيا ساهم في سرعة اكتشافها ومواجهتها، وهو ما يعكس التحول من مجتمع يعتمد بدرجة كبيرة على الأعراف إلى مجتمع تعتمد فيه الدولة بصورة أكبر على القانون ومؤسساتها الرسمية.
وفي النهاية،
نحن أمام تحول اجتماعي كبير؛ فالعرف لم يختفِ تماماً، لكنه فقد جزءاً كبيراً من قوته أمام دولة القانون. والمستقبل سيحمل منظومة اجتماعية جديدة تقودها الأجيال الرقمية، وقد يكون التحدي الحقيقي هو تحقيق التوازن بين القانون والعرف والقيم الأخلاقية.
فالعلاقة بين المواطن والمواطن يجب أن تقوم على الاستقلال والاحترام، أما علاقة المواطن بالدولة فيجب أن تقوم على سيادة القانون والانتماء والمسؤولية، ويبقى الضمير الأخلاقي للمواطن هو دستور الدولة الحقيقي؛ لأنه في النهاية هو الذي يحول القانون من نص مكتوب إلى سلوك نعيشه.