Sunday, 2026-09-06

الموسيقى والتقنية والأطفال وتعديل السلوك

الخط:
مشاركة:
الطفل - عمار ياسر
الطفل - عمار ياسر

بقلم: عمار ياسر

كيف يمكن للآباء والمتخصصين تحويل التكنولوجيا إلى أداة للتواصل والتأهيل؟

عندما يصرخ الطفل، أو يرفض الجلوس، أو يضرب من حوله، أو يكرر حركة معينة، فإن أول ما يفكر فيه كثير من الآباء هو: كيف أوقف هذا السلوك؟

لكن بالنسبة للمتخصص، السؤال يجب أن يبدأ من مكان آخر: لماذا يحدث هذا السلوك؟ وماذا يحاول الطفل أن يخبرنا من خلاله؟

هذه النقطة تحديدًا مهمة عند التعامل مع الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد والإعاقة الفكرية؛ فالسلوك الصعب قد يكون أحيانًا نتيجة صعوبة في التواصل، أو محاولة للهروب من موقف، أو طلبًا للاهتمام، أو تعبيرًا عن احتياج لا يستطيع الطفل التعبير عنه بالكلمات.

لذلك فإن تعديل السلوك لا يعني قمع السلوك، وإنما فهم وظيفته وتعليم الطفل بديلًا أكثر ملاءمة.

وهنا يمكن للموسيقى والتكنولوجيا أن تكونا جزءًا مهمًا من هذه الرحلة.

الموسيقى ليست مجرد ترفيه

بالنسبة للآباء، يمكن أن تبدو الموسيقى مجرد وسيلة لإشغال الطفل، لكن استخدامها بصورة منظمة قد يجعلها أداة تعليمية وسلوكية فعالة.

يمكن استخدام أغنية قصيرة كإشارة لبدء النشاط أو انتهائه، أو لتعليم الطفل غسل يديه، وترتيب ألعابه، والانتقال من مكان إلى آخر.

كما يمكن توظيف الإيقاع والحركة في تدريب الطفل على التقليد والانتباه وانتظار الدور والمشاركة.

لكن الأهم أن الموسيقى يجب ألا تستخدم بطريقة عشوائية؛ فالمتخصص هو من يحدد متى تستخدم، وما السلوك المستهدف، وكيف سيتم قياس تأثيرها.

التكنولوجيا يمكن أن تعطي الطفل صوتًا

من أكثر المجالات أهمية استخدام الأجهزة اللوحية وتطبيقات التواصل البديل والمعزز AAC.

طفل لا يستطيع الكلام قد يستخدم صورة على جهاز ليقول: “أريد ماء”.

وطفل يعبر عن رفضه بالصراخ قد يتعلم استخدام رمز “لا أريد” أو “انتهيت”.

وهنا يجب أن ينظر الأب والمتخصص إلى التكنولوجيا باعتبارها أكثر من شاشة؛ إنها قد تكون وسيلة تمنح الطفل طريقة للتواصل بدلًا من السلوك الصعب.

كذلك يمكن استخدام النمذجة بالفيديو لتعليم مهارات الحياة اليومية والاجتماعية، مثل غسل اليدين، ارتداء الملابس، انتظار الدور أو طلب المساعدة.

أما الواقع الافتراضي والواقع المعزز، فيمكن توظيفهما في بعض الحالات لتدريب الطفل تدريجيًا على مواقف قد تكون صعبة بالنسبة له، مثل زيارة الطبيب أو التعامل مع بيئة مزدحمة.

ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم دعمًا إضافيًا للمتخصص من خلال تنظيم وتحليل البيانات السلوكية، والمساعدة في إعداد القصص الاجتماعية والأنشطة التعليمية المناسبة لمستوى الطفل.

وهنا يأتي دور الأسرة

نجاح أي تدخل لا يتوقف على جلسة الأخصائي فقط.

فالطفل يقضي جزءًا كبيرًا من يومه مع أسرته، ولذلك فإن تطبيق المهارات في المنزل يمثل جزءًا أساسيًا من عملية التعلم.

إذا تعلم الطفل في الجلسة أن يطلب “استراحة” بصورة، ثم عاد إلى المنزل وظل الصراخ هو الطريقة الوحيدة التي يحصل بها على الاستراحة، فإننا نرسل إليه رسالتين متناقضتين.

لذلك يحتاج الآباء إلى فهم وظيفة السلوك، وطريقة التعزيز، وكيفية تقديم البدائل التواصلية، بالتعاون مع المتخصصين.

وفي المقابل، يحتاج المتخصص إلى الاستماع إلى الأسرة؛ لأن الأب والأم غالبًا ما يمتلكان معلومات لا تظهر خلال الجلسة: متى تحدث نوبات الغضب؟ ما الذي يسبقها؟ ما الذي يهدئ الطفل؟ وما الأشياء التي يفضلها؟

التكنولوجيا ليست بديلًا عن الإنسان

رغم كل التطور، يجب ألا تتحول التكنولوجيا إلى حل سحري.

الاستخدام المفرط للأجهزة قد يؤدي إلى تعلق الطفل بالشاشة وصعوبة الانتقال إلى الأنشطة الأخرى، كما أن ليس كل تطبيق مناسبًا لكل طفل، وليس كل طفل مناسبًا لكل تقنية.

القاعدة الأهم هي: نبدأ باحتياج الطفل، ثم نختار التقنية، وليس العكس.

فالهدف ليس أن يستخدم الطفل جهازًا أكثر، وإنما أن يصبح قادرًا على التواصل بشكل أفضل، وأن يتعلم مهارات جديدة، وأن يكون أكثر استقلالية.

وفي النهاية، الطفل ليس مجموعة من السلوكيات التي نريد التخلص منها.

هو إنسان يحاول أن يتواصل معنا بالطريقة التي يستطيعها.

قد تكون الموسيقى بالنسبة إليه لغة، وقد تكون الصورة كلمة، وقد يكون الجهاز وسيلة للتعبير.

لكن يظل الأب الذي يفهم طفله، والمتخصص الذي يفهم وظيفة سلوكه، أهم من أي تطبيق أو جهاز.

التكنولوجيا يمكن أن تطور أدواتنا، لكنها لا يمكن أن تستبدل علاقتنا بالطفل.

والنجاح الحقيقي في تعديل السلوك لا يكون عندما يصبح الطفل أكثر هدوءًا فقط، وإنما عندما يصبح أكثر قدرة على أن يقول لنا: ماذا يريد، وماذا يرفض، ومتى يحتاج إلى المساعدة، وكيف يمكنه أن يكون جزءًا من العالم من حوله.

W
بقلم: Writer

كاتب ومحرر في بوابة الجمهورية الثانية.