إعداد: نسرين طارق
من ساحات القتال إلى منصات التواصل.. كيف تغيّرت أدوات الصراع وأصبحت الدول تحارب دون إعلان حرب؟
لم تعد الحرب في القرن الحادي والعشرين تعني بالضرورة دبابات تعبر الحدود أو طائرات تقصف المدن. فقد انتقلت المواجهة إلى ساحات أكثر اتساعًا وأقل وضوحًا؛ من شبكات الإنترنت والبنية التحتية الحيوية إلى الأسواق ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
وفي هذه المنطقة الرمادية بين السلم والحرب ظهر مفهوم "الحرب الهجينة"، الذي أصبح أحد أبرز المصطلحات في أدبيات الأمن والدفاع خلال السنوات الأخيرة.
فبحسب حلف شمال الأطلسي "الناتو"، تجمع التهديدات الهجينة بين وسائل عسكرية وغير عسكرية، ووسائل سرية وعلنية، ويمكن أن تشمل التضليل والهجمات السيبرانية والضغط الاقتصادي واستخدام الجماعات المسلحة غير النظامية إلى جانب القوات التقليدية.
أما الاتحاد الأوروبي فيصف التهديدات الهجينة بأنها أنشطة ضارة ومنسقة تهدف إلى تقويض دولة أو مؤسسة باستخدام أدوات متعددة، من بينها التلاعب بالمعلومات والهجمات الإلكترونية والتأثير أو الإكراه الاقتصادي والمناورات السياسية السرية والضغط الدبلوماسي والتهديد بالقوة العسكرية.
حرب بلا جبهة واضحة
تكمن خطورة الحرب الهجينة في أنها لا تحتاج بالضرورة إلى جبهة عسكرية واضحة.
فقد تبدأ المواجهة بحملة تضليل يستهدف الرأي العام، بالتزامن مع هجوم إلكتروني على مؤسسة حيوية، وضغوط اقتصادية، ومحاولات للتأثير في القرار السياسي، بينما تتحرك أطراف غير نظامية أو وكلاء على الأرض.
وهنا يصبح السؤال الأصعب.. هل نحن أمام سلسلة من الوقائع المنفصلة أم أمام استراتيجية واحدة متكاملة؟
ويشير مركز التميز الأوروبي لمواجهة التهديدات الهجينة إلى أن هذه التهديدات تقوم على أعمال منسقة ومتزامنة تستهدف نقاط الضعف النظامية للدول والمؤسسات، مع استغلال صعوبة اكتشاف الهجوم ونسبته إلى الجهة المسؤولة.
وهذه السمة تحديدًا تمنح الحرب الهجينة إحدى أخطر ميزاتها: الغموض.
لماذا يصعب اكتشافها؟
في الحرب التقليدية، يكون المعتدي غالبًا معروفًا، وتكون الأهداف عسكرية في الغالب، كما يكون خط بداية الحرب أكثر وضوحًا.
أما في الحرب الهجينة، فقد يبدو الهجوم الإلكتروني في بدايته حادثًا تقنيًا، وقد تظهر حملة التضليل باعتبارها مجرد نشاط عشوائي على مواقع التواصل، بينما قد يُنظر إلى الضغط الاقتصادي باعتباره خلافًا تجاريًا.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتزامن هذه الأحداث وتخدم هدفًا واحدًا.
ولهذا يؤكد مركز التميز الأوروبي لمواجهة التهديدات الهجينة أن أحد عناصر القوة في هذه الاستراتيجية هو استغلال "عتبات الاكتشاف والإسناد"، أي جعل اكتشاف الهجوم وتحديد المسؤول عنه أكثر صعوبة.
المعلومات.. السلاح الذي لا يحتاج إلى بندقية، ومن أبرز أدوات الحروب الهجينة التلاعب بالمعلومات.
فالمعركة لم تعد تدور فقط حول الحصول على المعلومات، وإنما حول التحكم في طريقة تقديمها وتفسيرها وانتشارها.
وقد تشمل العمليات المعلوماتية:
- نشر معلومات كاذبة أو مضللة.
- تضخيم الشائعات.
- إنشاء حسابات وشخصيات وهمية.
- اجتزاء تصريحات أو صور من سياقها.
- نشر محتوى حقيقي مصحوب بتفسير مضلل.
- استغلال الأزمات الاقتصادية أو السياسية لنشر روايات تستهدف الثقة العامة.
- محاولة إغراق الجمهور بروايات متناقضة بحيث يصبح الوصول إلى الحقيقة أكثر صعوبة.
ويؤكد الناتو أن التهديدات المعلوماتية قد تشكل خطرًا على الأمن القومي عندما تكون متعمدة وضارة ومنسقة، وتشمل عمليات التأثير والتلاعب بالمعلومات والتدخل الأجنبي والتضليل.
وهنا تظهر قاعدة شديدة الأهمية:
ليس الهدف دائمًا إقناع الجمهور بكذبة محددة؛ أحيانًا يكون الهدف هو جعل الجمهور يفقد ثقته في كل شيء.
الهجوم السيبراني.. معركة داخل الشبكات
إذا كانت المعلومات تستهدف الوعي، فإن الهجمات السيبرانية تستهدف البنية التي يعتمد عليها المجتمع الحديث.
الكهرباء، الاتصالات، الخدمات الحكومية، المؤسسات المالية، النقل، والمنشآت الحيوية أصبحت جميعها مرتبطة بأنظمة رقمية تجعلها عرضة لهجمات يمكن تنفيذها عن بعد.
ويشير الناتو إلى أن الفضاء السيبراني أصبح ساحة تنافس مستمرة، وأن جهات معادية تسعى من خلال الأنشطة السيبرانية إلى استهداف البنية التحتية الحيوية والخدمات الحكومية وسرقة المعلومات وإعاقة الأنشطة العسكرية.
وهنا لا يحتاج المهاجم إلى احتلال مدينة حتى يسبب اضطرابًا؛ فقد يكفي تعطيل نظام حيوي أو اختراق شبكة معلومات حساسة لإحداث آثار تتجاوز المجال الإلكتروني إلى الحياة اليومية.
الاقتصاد.. جبهة أخرى للصراع
الحرب الهجينة لا تتوقف عند الأمن والمعلومات.
فالاقتصاد يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط من خلال العقوبات والقيود التجارية والتلاعب بسلاسل الإمداد والضغط على قطاعات استراتيجية أو استخدام الاعتماد الاقتصادي المتبادل كنقطة ضعف.
ولهذا يدرج الاتحاد الأوروبي التأثير أو الإكراه الاقتصادي ضمن الوسائل التي يمكن أن تدخل في نطاق التهديدات الهجينة.
وبذلك تصبح قدرة الدولة على حماية اقتصادها وتنويع مصادر الطاقة والغذاء والتكنولوجيا وسلاسل التوريد جزءًا من قدرتها على مواجهة التهديدات الأمنية.
المجتمع.. الهدف غير المعلن
ربما تكون أخطر نقطة في الحرب الهجينة أنها لا تستهدف مؤسسات الدولة فقط، وإنما يمكن أن تستهدف تماسك المجتمع نفسه.
فالانقسامات السياسية والاجتماعية والاقتصادية يمكن أن تتحول إلى نقاط ضعف يجري استغلالها عبر حملات تأثير وتضليل.
وتحذر الأدبيات الأوروبية الخاصة بالحرب الهجينة من استهداف نقاط الضعف النظامية للمجتمعات والمؤسسات، بما يؤدي إلى إضعاف قدرتها على اتخاذ القرار والاستجابة للأزمات.
ومن هنا يصبح الوعي المجتمعي جزءًا من منظومة الأمن القومي.
فالمواطن الذي يتحقق من مصدر الخبر قبل مشاركته، ووسائل الإعلام التي تلتزم بالتحقق، والمؤسسات التي تستجيب سريعًا للشائعات والمعلومات الكاذبة، جميعها تمثل خطوط دفاع في مواجهة هذا النوع من الصراعات.
أوكرانيا.. ساحة كشفت تطور أدوات الحرب
أظهرت الحرب الروسية الأوكرانية بصورة واضحة مدى التداخل بين الحرب التقليدية والأدوات الهجينة.
فإلى جانب العمليات العسكرية، أصبحت الهجمات السيبرانية والعمليات المعلوماتية والحرب الإلكترونية والضغط الاقتصادي وأدوات التأثير المختلفة جزءًا من البيئة الأوسع للصراع.
وفي هذا السياق، يشير الناتو إلى أن العمليات الهجينة يمكن أن تتداخل مع العمليات العسكرية التقليدية، كما أن المفهوم أصبح جزءًا أساسيًا من التفكير الدفاعي للحلف. ويؤكد المفهوم الاستراتيجي للناتو لعام 2022 أن العمليات الهجينة ضد إحدى دول الحلف يمكن، في ظروف معينة، أن تصل إلى مستوى الهجوم المسلح بما قد يؤدي إلى بحث تطبيق المادة الخامسة.
لكن التجربة الأوكرانية لا تعني أن كل نشاط سياسي أو اقتصادي أو إلكتروني روسي هو بالضرورة "حرب هجينة"؛ فالتوصيف يحتاج إلى أدلة على وجود تنسيق وهدف استراتيجي، وليس مجرد تزامن الأحداث.
الذكاء الاصطناعي يفتح الباب لجيل جديد
ومع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى مجال إنتاج المحتوى، أصبحت الحرب المعلوماتية أمام تحديات جديدة.
فإنتاج الصور ومقاطع الفيديو والأصوات والمحتوى النصي أصبح أسرع وأقل تكلفة، وهو ما يفتح المجال أمام استخدام تقنيات التزييف العميق والحسابات الآلية وحملات التأثير واسعة النطاق.
في مارس 2026، نشر الاتحاد الأوروبي تقريره الرابع حول التلاعب والتدخل الأجنبي في مجال المعلومات (FIMI) ، متناولًا تطورات النشاط المعلوماتي خلال عام 2025.
وتكمن المشكلة هنا في أن سرعة إنتاج المحتوى المضلل قد تتجاوز سرعة التحقق منه، وهو ما يجعل الاستجابة السريعة والشفافية الإعلامية عاملين حاسمين.
هل كل شائعة حرب هجينة؟
الإجابة ببساطة: لا.
وهذه نقطة مهمة للغاية في التناول الإعلامي.
فوجود خبر كاذب لا يعني بالضرورة وجود عملية حرب هجينة، والهجوم الإلكتروني لا يعني تلقائيًا وجود حرب بين دولتين، كما أن الخلاف الاقتصادي لا يمثل وحده دليلًا على استخدام الاقتصاد كسلاح.
التوصيف يصبح أكثر دقة عندما تتوافر مؤشرات على وجود تنسيق بين أدوات متعددة، واستهداف واضح، وهدف استراتيجي، ومحاولة لاستغلال نقاط ضعف الطرف المستهدف.
ولهذا فإن الاستخدام المفرط للمصطلح قد يؤدي إلى فقدانه قيمته التحليلية.
كيف تواجه الدول الحروب الهجينة؟
مواجهة الحرب الهجينة لا يمكن أن تقع على عاتق القوات المسلحة والأجهزة الأمنية وحدها.
فطبيعة التهديد تفرض استجابة تشمل الدولة والمجتمع معًا.
وتحتاج الدول إلى:
أولًا: حماية البنية التحتية الحيوية والأنظمة الرقمية.
ثانيًا: تطوير قدرات الرصد والكشف المبكر للهجمات السيبرانية وحملات التضليل.
ثالثًا: تعزيز الإعلام المهني القائم على التحقق من المعلومات.
رابعًا: رفع الوعي الرقمي لدى المواطنين.
خامسًا: حماية الاقتصاد وسلاسل الإمداد والقطاعات الاستراتيجية.
سادسًا: تعزيز التعاون بين المؤسسات المدنية والأمنية والتكنولوجية.
سابعًا: سرعة التواصل الرسمي مع المواطنين أثناء الأزمات لمنع الشائعات من ملء فراغ المعلومات.
ويضع الناتو مفهوم المرونة المجتمعية والوطنية في صميم مواجهة التهديدات الهجينة، باعتبار أن قدرة المجتمع والدولة على الاستمرار والعمل أثناء الأزمات تمثل عنصرًا أساسيًا من عناصر الردع والدفاع.
المعركة التي لا يراها أحد
الحرب الهجينة أعادت تعريف مفهوم القوة.
فالقوة لم تعد تقاس فقط بعدد الطائرات والدبابات والصواريخ، وإنما أيضًا بقدرة الدولة على حماية بياناتها واقتصادها وبنيتها التحتية وثقة مواطنيها.
وفي الحروب التقليدية يمكن تحديد الجبهة غالبًا.
أما في الحروب الهجينة، فقد تكون الجبهة داخل الهاتف المحمول، أو في شبكة كهرباء، أو في سوق مالي، أو على منصة للتواصل الاجتماعي.
وقد لا يعرف المواطن أنه أصبح جزءًا من ساحة المعركة عندما يضغط على زر "مشاركة".
الحرب الهجينة ليست حربًا بلا قواعد، وليست مجرد تسمية جديدة لكل أشكال الصراع الحديثة؛ وإنما هي نمط معقد من توظيف أدوات متعددة ــ عسكرية وغير عسكرية، علنية وسرية ــ بصورة متكاملة لتحقيق أهداف استراتيجية.
ومع استمرار التحول الرقمي وتطور الذكاء الاصطناعي، يبدو أن الحدود الفاصلة بين الحرب والسلام ستصبح أكثر ضبابية.
وفي عالم كهذا، قد لا تكون أخطر الأسلحة تلك التي تُطلق من المدافع، وإنما تلك التي تصل إلى عقل الإنسان قبل أن تصل إلى أرض المعركة.