Saturday, 2026-07-04

عندما يصبح الإنتاج قضية وطن

الخط:
مشاركة:
الإنتاج - شحاتة زكريا
الإنتاج - شحاتة زكريا

بقلم: شحاتة زكريا

تمر الأمم بلحظات فارقة تعيد فيها ترتيب أولوياتها فتكتشف أن ما كان ينظر إليه باعتباره ملفا اقتصاديا أصبح في حقيقته قضية أمن قومي وأن ما كان يعد شأنا يخص المستثمرين ورجال الأعمال تحول إلى مسؤولية مجتمع بأكمله. واليوم يقف الإنتاج في مقدمة هذه القضايا ليس باعتباره وسيلة لتحقيق النمو فحسب وإنما باعتباره الضمان الحقيقي لاستقلال القرار وصمود الدولة وحماية مستقبلها في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة.

 لقد فرضت التطورات الدولية خلال السنوات الأخيرة واقعا جديدا. فمنذ أن اهتزت سلاسل الإمداد العالمية وتعاقبت الأزمات الاقتصادية واشتعلت بؤر التوتر في أكثر من منطقة أدركت دول العالم أن الاعتماد المفرط على الخارج لم يعد خيارا آمنا وأن امتلاك القدرة على الإنتاج المحلي أصبح جزءا من معادلة القوة الوطنية لا مجرد بند في خطط التنمية.. ولعل ما تشهده الساحة الدولية اليوم من اضطرابات في حركة التجارة وتنافس على التكنولوجيا المتقدمة وسعي محموم لتأمين مصادر الطاقة والمواد الخام يؤكد أن الاقتصاد لم يعد يتحرك بمعزل عن السياسة وأن المصنع أصبح في كثير من الأحيان أكثر تأثيرا من المنصة السياسية لأن من يملك الإنتاج يملك قدرة أكبر على الصمود والمناورة واتخاذ القرار.

وليس من قبيل المصادفة أن تتجه كبرى الاقتصادات العالمية إلى إعادة توطين الصناعات الاستراتيجية وأن تضخ استثمارات ضخمة في الصناعات الدقيقة والرقائق الإلكترونية، والدواء، والغذاء، والطاقة الجديدة. فالعالم لم يعد يبحث عن الأرخص فقط بل عن الأكثر أمنا واستقرارا

 حتى وإن كانت الكلفة أعلى.. وفي هذا المشهد المتغير يصبح السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجميع: ماذا ننتج؟ وكيف ننتج؟ وكيف نجعل من الإنتاج ثقافة وطنية لا مجرد نشاط اقتصادي؟ إن الدول التي صنعت مكانتها لم تبدأ من الثروة وإنما من العمل. ولم تبن نفوذها بالاعتماد على الاستيراد بل بالقدرة على التصنيع والتصدير وإضافة القيمة.

 فالموارد الطبيعية قد تمنح فرصة لكنها لا تصنع نهضة إذا لم تتحول إلى منتجات تحمل علامة وطن وتنافس في الأسواق وتوفر فرص العمل وتدعم العملة الوطنية.. ومن هنا فإن الحديث عن الإنتاج لا يقتصر على إقامة مصنع جديد أو افتتاح منطقة صناعية بل يمتد إلى بناء منظومة متكاملة تبدأ بالتعليم وتمر بالبحث العلمي وتنتهي بمنتج قادر على المنافسة. فالعامل الماهر والمهندس المبدع والباحث الذي يطور فكرة جديدة لا يقل دورهم أهمية عن الآلات وخطوط الإنتاج.

أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس نقص الموارد وإنما ضعف ثقافة الإنتاج. فعندما يعتاد المجتمع الاستهلاك أكثر من العمل والاستيراد أكثر من التصنيع والبحث عن الربح السريع أكثر من الاستثمار طويل الأجل تصبح التنمية هدفا بعيد المنال مهما توفرت الإمكانات.

ولذلك فإن تحويل الإنتاج إلى قضية وطن يعني أن يصبح الاهتمام به مسؤولية مشتركة. فالدولة مطالبة بتوفير البيئة التشريعية المحفزة وتبسيط الإجراءات ودعم الابتكار وتطوير البنية التحتية. والقطاع الخاص مطالب بالتوسع في الاستثمار الحقيقي لا المضاربة. والجامعات مطالبة بأن تكون شريكًا في التنمية لا مجرد مؤسسات تمنح الشهادات.

أما المواطن فله دور لا يقل أهمية حين يقدر قيمة المنتج الجيد، ويحترم ثقافة العمل ويؤمن بأن كل ساعة إنتاج تضيف إلى قوة الوطن.. ولأن العالم يعيش اليوم مرحلة إعادة تشكيل للاقتصاد الدولي فإن الفرص لا تقل عن التحديات. فهناك صناعات جديدة تولد وأسواق تبحث عن شركاء واستثمارات تعيد توزيع وجهتها ودول تسعى إلى تنويع مصادرها.

 ومن يحسن قراءة هذه التحولات يستطيع أن يحولها إلى مكاسب حقيقية أما من يكتفي بالمراقبة فسيجد نفسه خارج المنافسة.. وليس المقصود بالإنتاج مجرد زيادة الأرقام وإنما بناء اقتصاد قادر على الابتكار والتطوير والاستدامة.

فالإنتاج الذي يعتمد على المعرفة هو الأكثر قدرة على مواجهة الأزمات وهو الذي يمنح الدولة ميزة تنافسية حقيقية في عالم أصبحت فيه التكنولوجيا هي اللغة المشتركة بين الاقتصادات الكبرى.. لقد أثبتت التجارب أن الأوطان لا تبنى بالشعارات وإنما بالمصانع التي لا تتوقف والمزارع التي تنتج والموانئ التي تعمل والعقول التي تبتكر. فهذه هي القوة الهادئة التي لا تحدث ضجيجا  لكنها تترك أثرا عميقا في الاقتصاد والمجتمع ومكانة الدولة بين الأمم..

 ومن هنا فإن المرحلة الحالية تتطلب إعادة الاعتبار لقيمة العمل والإنتاج ليس باعتبارهما وسيلة لتحسين المؤشرات الاقتصادية فقط بل باعتبارهما أساسا لبناء وطن أكثر قدرة على مواجهة المتغيرات. فكل منتج محلي ناجح يقلل فجوة الاستيراد وكل مشروع إنتاجي يخلق فرصة جديدة وكل فكرة تتحول إلى صناعة تضيف لبنة في بناء المستقبل...

في النهاية لا تقاس قوة الدول بما تملكه من موارد فقط بل بما تستطيع أن تصنعه بهذه الموارد، والتاريخ لا يتذكر الأمم التي استهلكت كثيرا بل يحتفظ بمكانة خاصة لتلك التي أنتجت وابتكرت وأضافت إلى الحضارة الإنسانية.. لذلك فإن اللحظة الراهنة تفرض علينا أن ننظر إلى الإنتاج بعين مختلفة لا كملف اقتصادي محدود بل كقضية وطن تمس الأمن والاستقرار والكرامة والاستقلال. فحين يصبح الإنتاج ثقافة يصبح المستقبل أكثر أمانا ويصبح الوطن أكثر قدرة على حماية قراره وصناعة مكانته وكتابة فصول جديدة من التنمية تستحقها الأجيال القادمة.

W
بقلم: Writer

كاتب ومحرر في بوابة الجمهورية الثانية.