بقلم: أ.د. علاء جراد
من أغرب التحولات التي شهدتها خلال السنوات الأخيرة أن مجرد سماع عبارة "إدارة الموارد البشرية" أصبح يثير القلق لدى كثير من الموظفين، حتى إن البعض بات يستخدمها، كمرادف للعقوبات والجزاءات. والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف وصلت الإدارة التي يفترض أن تكون صوت الموظف إلى هذه الصورة؟ وبالطبع، لا يجوز التعميم، فهناك مؤسسات تدرك أن الاستثمار الحقيقي ليس في المباني أو المعدات، بل في الإنسان. وما إن تدخل تلك المؤسسات حتى تلمس القيادة، والنظام، والاحترام، والثقافة المؤسسية. لكنها، بكل أسف، ما زالت تمثل الاستثناء أكثر من القاعدة.
من واقع خبرتي الأكاديمية والمهنية في إدارة الأعمال، وكمقيم معتمد من هيئة المستثمرين في الموارد البشرية البريطانية، أرى أن مدير الموارد البشرية يأتي في الأهمية مباشرة بعد القيادة العليا، لأن مهمته ليست إدارة ملفات الموظفين، بل إدارة البشر، وهي من أعقد المهام الإدارية. فالموظف ليس رقماً في كشف الرواتب، بل إنسان تحركه الطموحات والتقدير والعدالة. وقد تصنع كلمة تشجيع أو فرصة تدريب أو مسار وظيفي واضح موظفاً يقدم أكثر مما يطلب منه. أما غياب العدالة والشفافية وسيادة المحاباة، فيحولان بيئة العمل إلى بيئة سامة. وقد رأيت بنفسي حالات تعمد فيها بعض الموظفين الإضرار بمؤسساتهم بدافع الإحباط والانتقام، وهو مؤشر على فشل إداري وثقافي قبل أن يكون انحرافاً فردياً.
إن الدور الحقيقي للموارد البشرية يشمل – بجانب حفظ حقوق المنشأة - استقطاب الكفاءات، وتطويرها، وبناء المسارات الوظيفية، وإدارة الأداء بعدالة، والأهم تدريب المديرين على قيادة البشر لا مجرد إدارة الأعمال. لكن من يختار مدير الموارد البشرية؟ إنها القيادة العليا. ولذلك يبقى قول البروفيسور روبرت جارات: "Fish Rots from the Head"، أو "السمكة تفسد من الرأس أولاً"، وصفاً دقيقاً لواقع كثير من المؤسسات. فإذا افتقد المدير العام أو الرئيس التنفيذي الكفاءة والتأهيل اللازمين، فلن يحيط نفسه إلا بمن هم أقل كفاءة، فتضعف المؤسسة وتفشل، ثم ينتقل لإفشال مؤسسة أخرى.
لقد آن الأوان لأن نعيد تعريف الموارد البشرية باعتبارها رسالة قبل أن تكون وظيفة، وأن يرتبط شغلها بمعايير مهنية وأخلاقية صارمة، لأن النجاح المؤسسي لا يبدأ من اللوائح... بل يبدأ من الإنسان.
الكاتب أكاديمي مصري ورئيس مركز استيرلينج للتعلم الاستراتيجي والابتكار – اسكتلندا.
alaagarad@gmail.com