إعداد: نسرين طارق
في عالم تتصدع فيه سلاسل الإمداد، وتتزايد فيه حدة التوترات الجيوسياسية، لم تعد التجارة العالمية تُدار بمنطق الكلفة وحده. فالمعادلة التي حكمت العولمة لعقود — الإنتاج حيث تكون التكاليف أدنى والبيع حيث تكون الأرباح أعلى — بدأت تتراجع أمام منطق جديد.. التخلي عن الأرخص لصالح الأكثر أماناً.
ظهر هذا التحول بوضوح في أبريل 2022، عندما استخدمت وزيرة الخزانة الأمريكية جانيت يلين مصطلح Friend-shoring، أو ما يمكن ترجمته بـالتأمين عبر الحلفاء. لم يكن المصطلح مجرد تعبير دبلوماسي، بل إشارة إلى مرحلة جديدة في التجارة الدولية، تُعاد فيها صياغة الشراكات الاقتصادية وفق خرائط الثقة السياسية لا الكفاءة الاقتصادية وحدها.
من العولمة المفتوحة إلى العولمة المشروطة
كشفت جائحة كوفيد-19 هشاشة الاعتماد على مورد واحد، ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية لتُظهر ثمن الاعتماد الأوروبي على الطاقة الرخيصة، قبل أن يدفع الصراع التجاري والتكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين الشركات والحكومات إلى إعادة التفكير في مواقع الإنتاج ومصادر التوريد.
يختلف Friend-shoring عن مفاهيم سابقة مثل Offshoring، الذي يعني نقل الإنتاج إلى الدول الأقل تكلفة، وNearshoring، الذي يركز على تقريب سلاسل الإمداد جغرافياً. أما المفهوم الجديد فيضيف بعداً ثالثاً: التوافق السياسي والثقة الاستراتيجية. لم يعد الشريك التجاري الجيد هو الأرخص أو الأقرب فقط، بل الأكثر موثوقية في أوقات الأزمات.
وبذلك، لم تعد سلاسل الإمداد مجرد مسارات تجارية، بل أصبحت امتداداً للتحالفات السياسية والأمنية.
الصين في قلب التحول
تظهر ملامح هذا التحول بوضوح في العلاقة الأمريكية الصينية. فالصين، التي ظلت لعقود “مصنع العالم”، أصبحت في نظر واشنطن وحلفائها مصدر اعتماد مفرط في قطاعات حساسة، من الرقائق الإلكترونية إلى المعادن الحرجة.
لذلك بدأت الشركات العالمية في تبني استراتيجية China-Plus-One، أي الإبقاء على جزء من الإنتاج في الصين مع بناء مراكز بديلة في دول أخرى مثل الهند وفيتنام والمكسيك. الهدف ليس الخروج الكامل من الصين، بل تقليل المخاطر المرتبطة بأي صراع تجاري أو عقوبات أو اضطرابات بحرية مستقبلية.
كيف تتغير خريطة التجارة العالمية؟
يقود Friend-shoring الاقتصاد العالمي إلى أربعة تحولات رئيسية.
أولاً، صعود مراكز صناعية بديلة. فقد أصبحت فيتنام والهند والمكسيك وإندونيسيا وتركيا من أبرز المستفيدين من إعادة توزيع الإنتاج العالمي، سواء عبر جذب خطوط تجميع جديدة أو استثمارات في البنية الصناعية واللوجستية.
ثانياً، تزايد خطر انقسام الاقتصاد العالمي إلى تكتلات متنافسة. فالتقنيات الحساسة، مثل أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، تتحول تدريجياً إلى مجالات مغلقة بين الحلفاء، بينما تسعى الصين وروسيا إلى بناء بدائل تقنية ومالية مستقلة.
ثالثاً، امتداد المنافسة إلى المعادن الحرجة. لم تعد الخريطة الجديدة تقتصر على المصانع والموانئ، بل تشمل المناجم ومصادر الليثيوم والكوبالت والنيكل، وهي عناصر أساسية في بطاريات السيارات الكهربائية والطاقة النظيفة.
رابعاً، ارتفاع تكلفة الأمان. فتفكيك شبكات لوجستية بُنيت خلال ثلاثة عقود ونقل الإنتاج إلى دول أكثر توافقاً سياسياً يعني تراجع الكفاءة وارتفاع تكاليف الإنتاج، وهو ما يتحول في النهاية إلى تضخم يدفع المستهلك ثمنه.
الاقتصادات النامية بين الفرصة والضغط
يضع هذا التحول الدول النامية أمام معادلة معقدة. فمن جهة، يفتح أمامها فرصاً غير مسبوقة لجذب الاستثمارات والتحول إلى مراكز إنتاج بديلة. ومن جهة أخرى، يعرّضها لضغوط سياسية وقانونية وتكنولوجية متزايدة.
تستفيد بعض الدول من موقعها كـاقتصادات جسور، أي دول تربط بين الكتل المتنافسة. فهي تستورد مكونات من الصين، تُجري عليها عمليات تصنيع أو تجميع، ثم تعيد تصديرها إلى الأسواق الغربية. كما يمنحها التنافس بين القوى الكبرى قدرة تفاوضية أعلى للحصول على استثمارات أو قروض أو تكنولوجيا بشروط أفضل.
لكن المخاطر لا تقل أهمية. فالعقوبات الثانوية قد تطال شركات وبنوكاً في دول لا ترغب أصلاً في الانحياز. كما أن الانقسام التكنولوجي بين معايير غربية وشرقية قد يجبر هذه الدول على بناء بنية تحتية مزدوجة ومكلفة، أو اختيار طرف واحد بما يحد من قدرتها على المناورة.
من عدم الانحياز إلى الانحياز المتعدد
لم تعد استراتيجية “عدم الانحياز” التقليدية كافية. لذلك تتجه دول نامية وناشئة إلى ما يمكن تسميته الانحياز المتعدد، أي بناء شراكات انتقائية مع أكثر من محور في الوقت نفسه.
قد تعتمد دولة ما على التكنولوجيا الصينية في البنية التحتية، وتستورد الطاقة من روسيا، وتحافظ في الوقت ذاته على تعاون أمني واستثماري مع الولايات المتحدة وأوروبا. الهدف هو التعامل مع كل ملف وفق المصلحة الوطنية، لا وفق التزام أيديولوجي شامل.
أبرز الرابحين.. اقتصادات الجسور
تُعد فيتنام من أبرز نماذج China-Plus-One، إذ تحولت إلى مركز رئيسي لتجميع المنتجات التقنية الموجهة إلى الغرب، مستفيدة من قربها الصناعي من الصين وانخفاض تكاليف العمالة.
أما المكسيك، فقد استفادت من قربها الجغرافي من الولايات المتحدة ومن اتفاقية USMCA، لتصبح بوابة رئيسية إلى السوق الأمريكية. كما جذبت استثمارات غربية وصينية تسعى إلى الإنتاج داخل أمريكا الشمالية وتجنب الرسوم والقيود التجارية.
وتبرز الهند كقوة تكنولوجية وصناعية قادرة على الموازنة بين المعسكرات. فهي تقدم نفسها للغرب كبديل موثوق في البرمجيات والإلكترونيات، وفي الوقت ذاته تواصل الاستفادة من واردات الطاقة الروسية بشروط تفضيلية.
أما إندونيسيا، فقد استخدمت هيمنتها على النيكل لبناء موقع قوي في سلاسل بطاريات السيارات الكهربائية، عبر إجبار الشركات على الاستثمار محلياً بدلاً من الاكتفاء بشراء الخام.
وتحافظ تركيا على دورها كعقدة لوجستية بين الشرق والغرب، مستفيدة من موقعها الجغرافي وعلاقاتها التجارية المتوازنة مع أوروبا وروسيا وآسيا.
الهند نموذج التحول
تعكس استراتيجية آبل في الهند جوهر Friend-shoring. فالشركة تسعى إلى نقل جزء معتبر من إنتاج الآيفون إلى الهند، ليس فقط بسبب تكلفة العمالة، بل لتقليل الاعتماد على الصين وبناء قاعدة إنتاج أكثر أماناً سياسياً.
هذا النموذج لا يقتصر على الهواتف الذكية، بل يمتد إلى الأدوية والسيارات وأشباه الموصلات والطاقة النظيفة.
الثمن الخفي للتجزؤ
رغم أن Friend-shoring يمنح الحكومات والشركات إحساساً أكبر بالأمان، فإنه يحمل كلفة اقتصادية واضحة. فإعادة توجيه التجارة والاستثمار وفق الانتماء السياسي قد تؤدي إلى تراجع الكفاءة العالمية، وارتفاع الأسعار، وتباطؤ النمو.
كما أن الدول الأقل دخلاً قد تكون الخاسر الأكبر، لأن الاستثمارات ستتجه إلى “الدول الصديقة” سياسياً لا إلى الدول الأكثر احتياجاً اقتصادياً. وبذلك قد يؤدي هذا التحول إلى تعميق الفجوة بين الاقتصادات القادرة على المناورة وتلك التي تقع خارج خرائط التحالفات الكبرى.
هل نحن أمام عالم بكتلتين؟
قد يبدو المشهد وكأنه يتجه نحو عالم منقسم إلى كتلتين:
واحدة تقودها الولايات المتحدة وأوروبا وحلفاؤهما، وأخرى تتمحور حول الصين وروسيا وشبكاتهما الاقتصادية. لكن الواقع أكثر تعقيداً.
فالشركات لا تنسحب بالكامل من الصين، ولا تنتقل بالكامل إلى الحلفاء. بل تعيد توزيع المخاطر عبر شبكات متعددة. لذلك قد لا يكون العالم المقبل ثنائي القطب بقدر ما سيكون متعدد المسارات، تتداخل فيه المصالح التجارية مع الحسابات السياسية.
يكشف Friend-shoring أن الأسواق لم تكن يوماً منفصلة تماماً عن السياسة. الجديد أن الاعتبارات الجيوسياسية أصبحت اليوم صريحة ومؤسسية، وتؤثر مباشرة في قرارات الاستثمار والإنتاج والتجارة.
العالم لا يعيد فقط ترتيب سلاسل الإمداد، بل يعيد رسم خريطة الثقة الاقتصادية. وستكون الدول الأكثر قدرة على قراءة هذا التحول، والموازنة بين الكفاءة والأمان، والانفتاح والمخاطر، هي الرابح الأكبر في الجولة الجديدة من إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي.