fbpx
أخبار العالم

هل تستعيد الدولة السورية شمالها قريبا؟.. تحليل معلوماتي خاص للجمهورية الثانية من سوريا حول التوترات العسكرية بين الأتراك والروس والأمريكان والأكراد

متابعة- أشرف التهامي

تُلقي مرحلة ما بعد الولاية الأردوغانية الجديدة، بظلالها على المشهد في الشمال السوري؛ إذ يحظى بأهمية إستراتيجية لدى تركيا التي استثمرت فيه سياسياً وعسكرياً وأمنياً ومدنياً، وسط الحديث عن احتمالية شنّها عملية عسكرية برّية ضد “قوات سوريا الديمقراطية – قسد” الانفصالية تنتزع بها مناطق جديدة.

ذلك بالتزامن مع توارد الأخبار حول انسحاب روسي من مناطق تل رفعت؛ مما يشي باحتمالية حدوث تبدلات ميدانية رغم ثبات الخريطة العسكرية خلال الأعوام الماضية في منطقة تُعدّ من أكثر المناطق تعقيداً وتداخلاً بين قوى مختلفة تتصارع فيها لتوسيع رقعة نفوذها وسيطرتها.

كل ذلك يثير تساؤلات عن احتمالية تنفيذ عملية عسكرية تركية في هذه المنطقة، لاسيما وأنّ تركيا سبق أنْ لوّحت بها في إطار جهودها لمكافحة ما تعدّها نزعات انفصالية تشكّل تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وضمن جهودها لاستكمال مشروع “المنطقة الآمنة”، وكذلك تساؤلات عن مدى اختلاف السياق الحالي عن السياقات السابقة التي حالت دون تنفيذ تركيا تهديداتها بإجراء هذه العملية.

احتمالات العملية العسكرية
أفادت وكالة “هاوار” المقربة من “قسد” الانفصالية أن القوات الروسية أخلت قواعدها في مدينة تل رفعت بريف حلب الشمالي، وقاعدة في “مطحنة الفيصل” قرب قرية كشتعار في ريف عفرين، بينما نفت مصادر في تنظيم ما يسمى ب“الجيش الوطني السوري” الإرهابي عملية الانسحاب، معتبرةً أنها لا تتعدى كونها عملية تبديل روتينية للقوات، بالتزامن مع انتهاء جولة الانتخابات التركية؛ وهو ما أضفى على الحدث أهمية وغموضاً.

وتكتسب منطقة تل رفعت أهمية خاصة بالنسبة إلى تركيا؛ من حيث حرصُ تركيا على تأمين مناطق نفوذها في الشمال السوري المغتصب، وتهيئتها لإعادة اللاجئين، وتأمين الحدود التركية من خطر الإرهاب كما تزعم.

وضرب مشروع “قسد” الانفصالية، بعد أن بات وجود “قسد” الانفصالية فيها يشكل قاعدة متقدمة لضرب المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية الإرهابية تحت النفوذ التركي المغتصب في مدن وبلدات ريف حلب الشمالي، مثل إعزاز ومارع، من خلال قصف تلك المناطق واستهدافها وإظهار هشاشتها الأمنية وإحراج تركيا، ومحاولة إجهاض فكرة المنطقة الآمنة التي تمثّل أولوية قصوى لدى تركيا وأحد المحركات الأساسية لعمليتها العسكرية المحتملة.

مليون لاجئ
والتي ستكون في حال تنفيذها رافعة قوية للحكومة كما تطمح بوصفها تعزيزاً للأمن القومي، وتهدف ضمن جملة أهدافها إلى إعادة مليون لاجئ سوريّ من المقيمين في تركيا إلى تلك المناطق.

ومما يُعزّز من احتمالية تنفيذ تركيا عمليات عسكرية في تلك المناطق تبنّيها فكرة توسيع “المنطقة الآمنة” كحلّ أساسيّ لملف اللاجئين السوريين في تركيا، وتوفير الدعم والمساعدات الإنسانية، وتهيئة بيئة استثمارية واقتصادية وأمنية جاذبة للاجئين.

وتأتي على رأس أولويات الحكومة التركية بعد الانتخابات، وقد وعد بها الرئيس التركي أردوغان أنصاره مباشرة عقب فوزه بالانتخابات خلال كلمة ألقاها في المجمع الرئاسي التركي بالعاصمة أنقرة، لاسيما مع اقتراب موعد الانتخابات البلدية المقررة في مارس عام 2024م، والتي يطمح فيها لاستعادة رئاسة بلدتَي إسطنبول وأنقرة، وقطع الطريق ربما أمام استثمار أحزاب المعارضة مجدداً ملف اللاجئين والهجرة لزيادة رصيدها الشعبي.

وفي السياق ذاته فمن المتوقع أن تنتهج الحكومة التركية نهجاً أكثر حزماً تجاه مصالحها القومية والإستراتيجية، خاصة فيما يتعلق بمسألة محاربة الإرهاب وتوسيع المنطقة الآمنة في سوريا بعد فوز أردوغان، الذي عزّز موقف الحكومة الحالية الإقليمي والدولي.

فضلاً عن تأييد الأحزاب القومية والأحزاب الأخرى المتحالفة مع حزب العدالة والتنمية ضمن “تحالف الجمهور” سياسة مكافحة التهديدات الإرهابية عبر استخدام القوة العسكرية خارج الحدود التركية، ودعمهم مشروع الحكومة التركية حيال “المنطقة الآمنة” والتعامل مع اللاجئين السوريين، لاسيما مع ميل المعادلة الإقليمية بين تركيا وروسيا إلى نوع من الأفضلية لصالح تركيا بعد غرق روسيا في المستنقع الأوكرانية.

الأوراق التركية
مما يقوّي الأوراق التركية للتفاوض مع روسيا حول ملف تل رفعت، لاسيما وأن “قسد” الانفصالية لا تتمتع بأي دعم شعبي في تلك المنطقة، ولا بامتدادٍ لنفوذها مع مناطق شمال شرق سوريا حيث معاقلها المدعومة من التحالف الدولي المشغل الأساسي لها.

بمعنى آخر: قد تتوصل تركيا في المدى القريب إلى تفاهم مع روسيا يفضي إلى فسح المجال أمام العملية التركية في منطقة تل رفعت التي تقع ضمن النفوذ الروسي، كما حدث سابقاً في عفرين، لاسيما مع تقارب العلاقات التركية الروسية، والتي من المحتمل أن تأخذ خطاً تصاعدياً في استمرارٍ لسياسة تركيا الخارجية، إضافة إلى امتلاك تركيا أوراقاً مهمةً تزايدت بشكل ملحوظ بعد الأزمة الأوكرانية، خاصة مع كثرة الملفات والقضايا المتداخلة بين البلدَين؛

فقد تقدّم تركيا جملة من المكاسب والأوراق التي تستفيد منها روسيا في أوكرانيا، بما قد يسهم في تحقيق اختراق معين والتوصل لتفاهمات بين الجانبين، في ظل الحاجة الروسية الفعلية لدور تركيا وموقفها في الأزمة الأوكرانية والعقوبات الغربية على روسيا.

تل رفعت
دلالات التحركات الروسية في تل رفعت:
مع عدم كفاية المعطيات السابقة التي تشي باحتمالية شروع تركيا بعملية عسكرية برية ضد “قسد” الانفصالية في مناطق تل رفعت، أو إبرامها مساومة معينة مع روسيا حيال تلك المناطق خلال الفترة المقبلة.

فمن المبكر القول بقرب العملية العسكرية، وربط ذلك بمجريات الانسحاب الروسي الجزئي من عدة مواقع في تل رفعت؛ إذ يبدو أن عملية الانسحاب لا تعدو حقيقة كونها تبديلات وتحركات روتينية للقوات الروسية، وهو ما أشارت إليه تصريحات صحفية لعدد من قادة تنظيم “الجيش الوطني” الإرهابي الذين نفوا حدوث انسحاب كامل، مؤكدين في الوقت نفسه قيام القوات الروسية بتخفيض عدد عناصرها في تلك المناطق، فضلاً عن مسارعة الوكالة الكردية التي سرّبت الخبر إلى حذفه من موقعها الرسمي بعد نشره بساعات.

فقد تكون هذه التحركات في مجملها رسائل روسية لمختلف أطراف الصراع في تلك البقعة، خاصة تركيا وميليشيا “قسد” الانفصالية؛ إذ عملت روسيا خلال الأعوام الماضية وخلال سلسلة من التحركات شمال وشمال شرقي سوريا إلى اللعب على تناقضات مصالح مختلف الأطراف الفاعلة في تلك المناطق لزيادة وجودها ونفوذها؛

فقد تكون خطوة جديدة تستغل فيها مخاوف “قسد” الانفصالية مجدداً من تحركات تركيا وضرباتها العسكرية، لدفعها إلى تقديم تنازلات جديدة سياسية للدولة السورية، متعلقة ربما بتسهيل وزيادة نقل المحروقات من مناطقها إلى المناطق التي تسيطر عليها الدولة السورية، وزيادة عدد المعابر بين الجانبين.

مقابل تفادي عملية عسكرية تركية قد تُنهي سيطرتها على مناطق إستراتيجية تنتشر فيها القوات الروسية، وعلى رأسها تل رفعت.

ومما قد يشير إلى ذلك توتر الأوضاع مجدداً بين “قسد” الانفصالية والجيش السوري؛ إذ لجأت الدولة السورية مؤخراً إلى تضييق الخناق على حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب الواقعين تحت سيطرة “قسد” الانفصالية ، ومنع دخول قوافل المحروقات والمواد الغذائية والطبية إليهما كما تزعم قسد الانفصالية وهو ما ردّت عليه “قسد” الانفصالية بحصارها قوات الجيش السوري في المربع الأمني بمدينة القامشلي، واعتقالها عدداً من عناصر الجيش السوري في المدينة.

رسالة روسية غير مباشرة
ومن جهة أخرى قد تكون رسالة روسية غير مباشرة إلى تركيا، عبر عرض رغبتها في نسج تفاهم معها، ترفع بموجبها روسيا يدها عن منطقة تل رفعت أو مناطق أخرى كعين العرب، مقابل تقديم تركيا تنازلاً معيناً فيما يتعلق بمسار التطبيع مع الدولة السورية، أو مقابل منح روسيا نفوذاً في المناطق الواقعة جنوبي طريق M4 في محافظة إدلب.

توجد مؤشرات إلى أن روسيا تسعى جاهدة إلى بسط سيطرتها على كامل الطريق الدولي، وهو ما قد يفسّر استمرار القصف الروسي على قرى وبلدات جنوب إدلب، لاسيما وأن روسيا دعمت استيلاء “قسد” الانفصالية على منطقة تل رفعت بعد إسقاط تركيا المقاتلة الروسية في العام 2015، كردّ فعل نكائيّ وعقابيّ ضد تركيا، و لأهميتها الإستراتيجية؛ فلا تبدو المنطقة مهمة لروسيا أو حتى لـ”قسد” الانفصالية باستثناء أنها شوكة تهديد لتركيا يتم التلويح بها كل فترة.

المنطقة الآمنة
من الواضح أنَّ القضاء على جيب تل رفعت يسهم في الوصول إلى مفهوم “المنطقة الآمنة” التي تريد إنشاءها تركيا لإعادة مليون لاجئ سوري على أراضيها إلى هذه المناطق، مع الأخذ بعين الاعتبار العوامل القانونية والسياسية التي تحول دون تحقيق مفهوم “المنطقة الآمنة”، سواءٌ باجتياح الجيش السوري أو القصف الروسي لها، وبالتالي فإن تحقيق هذا المفهوم يتطلب تفاهمات واضحة مع روسيا من جهة عدم قصفها أو التهديد باجتياحها من قبل الجيش السوري وحليفته إيران.

وقد تكون إعادة مهجّري هذه المناطق من العرب إلى مناطقهم دافعاً مهماً للعملية التركية؛ حيث إن غالبيتهم مقيم ضمن مخيمات متوزعة في عموم الشمال السوري المغتصب تركياٍ فإعادتهم إلى مناطقهم قد تخفّف من أزمة المخيمات وتسهّل على تركيا المضيّ بمشروع بناء المجمعات السكنية للاجئين الموجودين على أراضيها..

عزّز فوز تحالف الجمهور بقيادة حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية من احتمالية استمرار سياسة تركيا تجاه الملف السوري؛ مما قد يفتح الباب مجدداً على إمكانية شنّها عملية عسكرية جديدة ضد “قسد” الانفصالية في شمال سوريا، في استئنافٍ لسياسة إبعاد “قسد” الانفصالية عن حدودها الجنوبية، واستكمال مشروع “المنطقة الآمنة” التي تضعها على سلّم أولوياتها المتعلقة بملف اللاجئين السوريين.

العملية البرية المرتقبة
ورغم الحديث المتكرر عن العملية العسكرية البرية المرتقبة وربطها بالتحركات الروسية في تل رفعت إلا أن احتمال حصولها في المدى القريب غير مرجّح؛ نظراً لعدم نضج التوافقات الدولية التي تسبق عادة أي حراك عسكري تركي في الشمال السوري، المغتصب تركياً فضلاً عن التوجه التركي الحالي نحو تهدئة الأجواء الإقليمية، واستكمال مسار التطبيع مع عدد من الدول العربية، وعلى رأسها مصر والسعودية والإمارات تحت مسمّى “تصفير المشاكل”، وتحسين علاقاتها مع الغرب، خصوصاً في حال الموافقة على انضمام السويد إلى حلف الناتو وإتمام صفقة طائرات “F16″، وهو ما يشكّل عائقاً إلى حدّ ما للعملية العسكرية؛ مما يُرجّح التأنّي التركي إلى حين حلحلة بعض القضايا الداخلية الملحّة أيضاً، والمتمثلة بالوضع الاقتصادي وملف إعادة الإعمار في مناطق الزلزال.

حراك أمريكي
شهدت الأيام الماضية حراكاً أمريكياً جديداً في مناطق انتشار قوات التحالف الدولي الغاصب شمال شرقي سوريا تمثَّل بنشر منظومة صواريخ “هيمارس” المتطورة، الأمر الذي يُثير تساؤلات عن الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة لاتخاذ مثل تلك الخطوة رغم أن مناطق النفوذ الأمريكي شرق الفرات تشهد في الوقت الحالي حالة من الهدوء واقتصار عمليات داعش -إن وُجِدت- على بعض الاغتيالات والهجمات ضدّ مليشيا “قوات سوريا الديمقراطية-قسد”الانفصالية.

منظومة هيمارس
فما هي دوافع الولايات المتحدة في نشر منظومة صواريخ “هيمارس” بمناطق نفوذها شمال شرقي سوريا وأبعاد تلك الخطوة على الوجود الأمريكي في سوريا والرسائل التي تود واشنطن بإرسالها إلى الفاعلين الآخرين، خصوصاً إيران والفصائل الموالية لها في المنطقة.

تعدّ منظومة “هيمارس” وحدة سلاح متنقلة، يمكنها إطلاق زخات من الصواريخ دقيقة التوجيه دفعة واحدة من على راجمة مثبّتة غالباً على شاحنة تسير على عجلات، وقد جذبت هذه التقنية العالية من الأنظمة الصاروخية مؤخراً اهتمام ملحوظاً بعدما تم تسليمها للجيش الأوكراني للقتال ضد القوات الروسية، حيث استفادت منها أوكرانيا في تدمير مستودعات ذخيرة ومواقع عسكرية حساسة للجيش الروسي.

استقدام الولايات المتحدة الأمريكية منظومة “هيمارس” إلى شمال شرق سوريا ليس الأول من نوعه، فخلال حربها ضد تنظيم داعش في السنوات الماضية نشرتها قوات التحالف الدولي في شمال سوريا وعلى الحدود التركية لضرب مواقع لتنظيم داعش بحسب ما تؤكد “مصادر مخابراتية” لوكالة رويترز.

وفي عام 2017 تم نشر المنظومة في قاعدة التنف على الحدود السورية الأردنية، التي تتمركز فيها قوات التحالف مع فصيل “جيش سوريا الحرة” (مغاوير الثورة سابقاً) الإرهابي ، وجاء نشرها في ذلك الوقت بعد تعرُّض القاعدة لهجوم من قبل فصائل إيرانية تصدّت له القوات الأميركية ثم استقدمت بعد ذلك تعزيزات عسكرية من بينها هذه المنظومة.

وفي وقتٍ لاحقٍ بالعام 2022 أعلن فصيل “مغاوير الثورة ”الإرهابي أن قوات التحالف أجرت تدريبات عسكرية للفصيل استُخدمت فيها منظومة صواريخ “هيمارس” الأمريكية ضمن منطقة الـ 55 كيلومتر في التنف، في رسالة يبدو أنها كانت موجّهة بشكل خاص إلى روسيا، لأن هذا التدريب جاء بعد أيام من قصف روسي بالطائرات على الفصيل الإرهابي ضمن منطقة التنف.

الظروف المحيطة بما سبق تُدلّل على أن الولايات المتحدة اعتادت نشر مثل تلك الأنظمة المتطورة في سوريا بدافع أقرب إلى ما يكون “رد فعل” أو استعراض قوة لردع الفاعلين الآخرين. ومن حيث التوقيت يبدو أن نشر المنظومة مجدداً في مناطق بشمال شرق سوريا يبعث برسائل بشكل خاص إلى كل من روسيا وإيران بدرجة أولى وإلى تركيا و الجيش السوري بدرجة أقل.

فيما يتعلق بروسيا وإيران: جاء نشر المنظومة متزامناً مع الحديث عن تخطيط إيران لتصعيد هجماتها ضد القوات الأميركية في سوريا، كجزء من استراتيجية أوسع مدعومة من روسيا لمواجهة الولايات المتحدة وفقاً لما نقلته صحيفة “واشنطن بوست” عن مسؤولين استخباراتيين أميركيين ووثائق سرية مسربة، مؤكدين أن إيران تسعى لتجنيد وكلاء لها لشن هجمات بواسطة عبوات ناسفة ضد القوات الأمريكية.

جواسيس الحرس الثوري
الاستراتيجية التي تحدثت عنها الصحيفة تتقاطع مع ما ذكرته مصادر محلية سورية من سعي “الحرس الثوري” الإيراني لتجنيد مخبرين له ضمن مناطق سيطرة “قسد” الانفصالية وتحويلهم فيما بعد إلى خلايا تابعة للفصائل الإيرانية تقوم بتنفيذ عمليات عسكرية وتزويد الفصائل الإيرانية بمواقع و تحركات القوات الأمريكية وقيادات “قسد” الانفصالية، الأمر الذي يوحي بأن إيران تعتزم تصعيد عملياتها ضد القوات الأمريكية بشكل لا يقتصر فقط على الهجمات الصاروخية أو عبر الطيران المُسيّر، وإنما السعي لمهاجمة القوات الأمريكية في عمق مناطق نفوذها،

وهذا ما يبدو أنه يحظى بدعم روسي، ربما لاعتبارين؛ الأول: أن روسيا تسعى للضغط على الولايات المتحدة في سوريا ودفعها إلى الانسحاب من سوريا أو تقليص وجودها هناك والثاني: رد فعل على ازدياد تدفق الأسلحة الأمريكية المقدّم إلى أوكرانيا وسط حالة من القلق تُحيط بالقوات الروسية بعد أكثر من عام على بدء الحرب هناك.

المضايقة الروسية لأمريكا
وفي هذا السياق أيضاً، سعت روسيا مؤخراً إلى مضايقة القوات الأمريكية في سوريا وعدم اللجوء إلى خط التنسيق الساخن بين الطرفين، وهذا ما أكده أكثر من مرة مسؤولون أمريكيون أشاروا إلى وجود زيادة ملحوظة في انتهاك روسيا لآلية عدم التضارب في سوريا وصلت إلى 60 مرة منذ آذار من العام الجاري وحتى نيسان من العام نفسه، كما يتّهم مسؤولون أمريكيون روسيا أنها تتقصّد تنفيذ “مناورات عدوانية” في مناطق العمليات الأمريكية.

ما تقدّم ذكره يوحي بأنّ الأهداف المشتركة بين إيران وروسيا ازدادت في سوريا للضغط على الولايات المتحدة الأمريكية ودفع قواتها للانسحاب من الأراضي السورية، وهذا ما يؤدي بالنتيجة لزيادة التنسيق المشترك بين الطرفين ضد قوات التحالف الدولي عبر الوكلاء والأذرع المحلية، خصوصاً أن إيران باتتْ أيضاً شريكاً غير مباشر في الحرب الأوكرانية عبر دعمِها روسيا بالطيران المسيّر والقذائف المدفعية بحسب ما تؤكد واشنطن.

أما فيما يخص الجيش السوري وتركيا: فإن الولايات المتحدة يبدو أنها تسعى لتوجيه رسائل بأنها غيرُ معنيّةٍ بعمليات التطبيع التي يجري العمل عليها بين الطرفين، حيث تسعى لتقوية نفوذها في سوريا والاستمرار بحماية “قسد” الانفصالية، بل والانتقال لمرحلة جديدة من العمل ضمن مناطق شمال شرقي سوريا، وهذا ما ظهر مؤخراً على لسان مسؤول بالتحالف الدولي أكد أن مهمة القوات الأميركية في سوريا والعراق “تغيرّت بشكل كبير” ، وأنه وفي المرحلة المقبلة، سيتعهّد شركاء التحالف الدولي فيها بمئات الملايين من الدولارات “لدعم مشاريع تحقيق الاستقرار على مستوى المجتمع وإخراج الناس من مخيم الهول وتحسين الخدمات والتعليم والصحة والإسكان والصرف الصحي لأولئك الذين لا يستطيعون العودة إلى ديارهم”

الأمر الذي يُشير لخطوات أمريكية على المدى البعيد ضمن مناطق شمال شرق سوريا تجعل موضوع الانسحاب الأمريكي من سوريا ليس على أجندة الإدارة الديمقراطية الحالية.

ومما يرجّح ذلك أيضاً أن الحِراك على الأرض يترافق مع خطوات سياسية تصعيدية ضد الدولة السورية مثل إقرار “لجنة العلاقات الخارجية” في مجلس النواب الأميركي بأغلبية ساحقة مشروع قانون لمكافحة التطبيع مع الدولة السورية، إضافة إلى الرفض المتكرر والمعلن لإعادة الدولة السورية للجامعة العربية كما حدث رغماً عنها قبل تحقيق الحل السياسي والاستمرار بفرض العقوبات ضد الدولة السورية.

على الجانب الآخر، بعثت الولايات المتحدة برسائل طمأنة إلى أنقرة بعدما تحدّثت وسائل إعلام تركية عن أن قوات التحالف الدولي سلّمت “قسد” الانفصالية منظومة “هيمارس”، مؤكدة أنه لم يتم تسليم المنظومة المتطورة لـ”قسد” الانفصالية، كما أعقب ذلك تأكيد أمريكي على أن واشنطن لا تريد إنشاء “دولة منفصلة” شمال شرق سوريا، ويبدو أنّ تسليم منظومة مثل “هيمارس” لـ”قسد” الانفصالية خطوة مستبعدة لأن واشنطن لا تريد إغضاب تركيا من جهة لدرجة كبيرة،

ومن جهة ثانية فإن التحالف الدولي يشرف بنفسه على منظومات الأسلحة المتطورة التي تدخل سوريا، بينما يُسلّم “قسد” الانفصالية مدرّعات وما يلزم من أسلحة وذخائر ومعدات لوجستية لمواجهة خلايا تنظيم داعش كما تزعم، في حين أن منظومة مثل “هيمارس” لا تُستخدم في مواجهة تلك الخلايا، ما يجعل وجودها مرتبطاً أكثر بتوجيه ضربات ضد الفصائل الإيرانية المتمركزة في الضفة الغربية من نهر الفرات بدير الزور.

السوشيال ميديا المؤيد للدولة السورية
ومن ناحية أخرى، تداولت صفحات فيسبوك مؤيدة للدولة السورية صوراً وتسجيلات مصورة لرتل عسكري قالت إنه يتبع للحرس الجمهوري، ووجهته الشمال السوري “لحسم المعركة”، إلا أن تحليل تلفزيون سوريا المعارض للصور ومصادر عسكرية خاصة، أكدت أنه وجهته مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد” الانفصالية.

وانطلق يوم أمس رتل عسكري مكون من عشرات الدبابات والمدافع المجنزرة والآليات العسكرية من اللواء 105 التابع لـ “الحرس الجمهوري”، بحسب ما تظهره الصور لحظة تحرك الرتل عند مدخل اللواء.
وأظهرت التسجيلات المصورة وصول الرتل إلى ريف حلب الشرقي عند طريق الخفسة التي تعد نقطة تماس بين مناطق سيطرة الدولة السورية ومناطق سيطرة “قسد”الانفصالية.

اللواء 105
وأشارت مصادر عسكرية لموقع تلفزيون سوريا أن اللواء 105 الذي يقوده العميد الركن آصف عمار؛ لم يسبق وأن شارك في مهام قتالية من قبل بشكل لافت، بحكم أن مهمته مع اللواء 101 في الحرس الجمهوري حماية رئيس الدولة وحماية القصر الجمهوري، وتأمين الحماية لمقار أمنية استراتيجية.

ورجحت المصادر أن تكون وجهة الرتل العسكري منطقة منبج شمال شرقي حلب، حيث تنتشر قوات الجيش السوري هناك منذ عام 2019 بعد أن أطلقت تركيا والجيش الوطني السوري الإرهابي عملية نبع السلام.

ما حدود التصعيد التركي شمالي سوريا؟
صعّد الجيش التركي خلال الأسبوع الماضي قصفه الجويّ والبريّ على المواقع العسكرية التابعة لقوات سوريا الديمقراطية “قسد” الانفصالية والجيش السوري، على طول الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا، ما أسفر عن وقوع قتلى من الطرفين وعطب عدة آليات عسكرية.
وبدأ التصعيد فعلياً يوم الأحد الماضي، بعد أن استهدفت “قسد” الانفصالية بعدد من الصواريخ وقذائف الهاون قاعدة “جبرين” التركية شمالي حلب، ومركز الشرطة في “أونجوبنار” في ولاية كلّس جنوبي تركيا، ومحيط معبر باب السلامة الحدودي.

وشنت “قسد” الانفصالية الهجوم انطلاقاً من الأراضي السورية بحدود الساعة بحسب وزارة الداخلية التركية، وذلك عبر 5 راجمات صواريخ، دون سقوط ضحايا أو مصابين من جراء الهجوم.

استهداف الجيش التركي
من جانبها أعلنت تركيا الرد على تلك الهجمات، ومنذ ذلك الوقت استهدف الجيش التركي عشرات المواقع العسكرية للجيش السوري وقسد الانفصالية في ريف حلب الشمالي، وفي الحسكة والرقة، عبر الطائرات المسيرة وسلاح المدفعية، ما أسفر عن مقتل وإصابة نحو 60 عنصراً للطرفين، حسبما أعلنت الدفاع التركية.

تركز القصف التركي على أربعة مناطق تعد مراكز رئيسية للجيش السوري وقسد الانفصالية، وهي تل رفعت ومنبج بريف حلب، وعين عيسى شمالي الرقة، والقامشلي بريف الحسكة، واللافت خلال القصف الاستخدام المكثف للطائرات المسيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى