Saturday, 2026-06-13

لم يمت فجأة... مات ببطء وأنتم تراقبون

الخط:
مشاركة:
نسأل - لم يمت فجأة... مات ببطء
نسأل في سياق الخبر

بقلم: مي السعيد مصطفى

تخيّل شخصًا يقف كل يوم أمام المرآة، يحاول أن يجمع ما تبقى منه، ثم يخرج ليواجه عالمًا لا يراه.
لا أحد يسأل. لا أحد ينتبه. وحين يرحل في النهاية، يتفاجأ الجميع.

الحقيقة أنه لم يمت فجأة.
مات ببطء، كلمةً كلمة، وصمتًا بعد صمت، وبابًا أُغلق في وجهه حين احتاج أن يُفتح.

قبل أن نسأل "لماذا فعلها؟"— علينا أن نسأل أنفسنا أولاً.. هل كنّا موجودين حقًا حين كان يحتاجنا؟


قبل أن نسأل لماذا انتحر... اسألوا كيف كان يُعامَل

حين يرحل شخص منتحرًا، تنتهي حياته في لحظة واحدة، لكن تبدأ من حوله حياةٌ أخرى مليئة بالألم والأسئلة.

في الأيام الأخيرة، أصبحنا نسمع أخبار الانتحار بشكل متكرر ومؤلم. وفي كل مرة، يتكرر السؤال ذاته: "لماذا فعلها؟" لكن القليل منا يسأل: ماذا كان يشعر قبل أن يفعلها؟

من أين يأتي الوجع؟

أحيانًا لا يكون المصدر غريبًا أو عدوًا، بل يأتي الألم من أقرب الناس.

من بيتٍ لا يسمع أبناءه ولا يحتضنهم. من أبٍ لا يعرف إلا اللوم والمقارنة — "أخوك أحسن منك في كل شيء"— كلمة تُقال في ثوانٍ وتسكن في القلب سنوات. من أمٍّ تظن أن القسوة تحفّز، وهي في الحقيقة تهدم. من أهلٍ ينتبهون للأخطاء وينسون الاحتواء.

كم مرة حاول شخص أن يشرح ألمه، فقيل له: "أنت بتدلّع"، أو "كبّر دماغك"، أو "الناس عندها مشاكل أكتر منك"؟


الجروح التي لا تُرى
ليس كل جرح يُرى بالعين.
هناك كلمات تترك الموت في الروح دون أن يراها أحد. كلمة تحقير واحدة، مقارنة متكررة، سخرية من حلم، استهزاء بمشاعر إنسان — هذه ليست تفاصيل صغيرة، بل هي أحيانًا ما يصنع الفارق.

نعيش اليوم في زمن يتحدث فيه الجميع، لكن القليل فقط من يستمع. أبناء يجلسون مع أسرهم ويشعرون بالوحدة. أزواج يسكنون بيتًا واحدًا وبينهم مسافات من الجفاء. أصدقاء يتحدثون لساعات دون أن يسأل أحدهم الآخر بصدق: "هل أنت بخير فعلاً؟"

القسوة لم تعد في الضرب أو الإهانة الصريحة فقط، بل أصبحت في التجاهل، وفي التقليل، وفي عدم الاكتراث.

ماذا نفعل؟

لسنا مطالَبين بأن نحلّ مشاكل الجميع، لكن يمكن لكل واحد منا أن يكون سببًا في شعور شخص ما بأنه ليس وحده.

رسالة اطمئنان، سؤال صادق عن الحال، استماع بلا أحكام، احتواء في لحظة ضعف — هذه ليست أشياء كبيرة، لكنها قد تكون الفارق الذي لا تراه.

اسأل عن أصدقائك. اطمئن على أحبابك. وأخبر من تحب أنك تحبه قبل فوات الأوان.

قد ينسى الإنسان مئات المواقف، لكنه لا ينسى الكلمة التي جعلته يشعر بأنه بلا قيمة — ولا الكلمة التي جعلته يشعر بأنه يستحق أن يبقى.

فليس كل صامت بخير، ولا كل ضاحك سعيدًا.

كونوا رحماء. لا تعرفون حجم الألم الذي يحمله من يقف أمامكم.

 

 

W
بقلم: Writer

كاتب ومحرر في بوابة الجمهورية الثانية.