بقلم: مي السعيد
هل سبق أن عدتَ إلى صورة التقطتها منذ سنوات، فاكتشفت أنك تتذكر تفاصيلها أكثر مما تتذكر حياتك داخلها؟
تتذكر زاوية التصوير، والابتسامة التي رسمتها على وجهك، وربما حتى عدد الإعجابات التي حصدتها بعد نشرها. لكنك تعجز عن تذكّر الشعور الحقيقي الذي سكنك في تلك اللحظة. وكأن الزمن لم يحتفظ بالذكرى نفسها، بل احتفظ بنسختها المصوَّرة فقط.
في عصر أصبحت فيه الكاميرا رفيقة كل لحظة، وهنا سؤال يفرض نفسه بإلحاح: هل ما زلنا نعيش حياتنا فعلًا، أم أننا انشغلنا بتحنيطها داخل آلاف الصور التي نخزنها كل يوم؟
إننا نعيش في عصر غريب أقنعنا تدريجيًا بأن اللحظة الجميلة لا قيمة لها إلا إذا وثّقناها وأثبتنا للعالم أنها حدثت بالفعل. لقد تحوّل الهاتف من أداة لحفظ الذكريات إلى وسيط يحدد كيف نراها وكيف نتذكرها. ولم نعد نصوّر ما نعيشه فحسب، بل أصبحنا أحيانًا نختار ما نعيشه وفقًا لما سيبدو جميلًا في الصور.
وهنا انقلب المعنى تمامًا؛ فبدلًا من أن تكون الصورة توثيقًا للحياة، أصبحت الحياة، في كثير من الأحيان، مجرد وسيلة لالتقاط صورة. ولعل أكثر ما يكشف ذلك أننا كثيرًا ما نرفع هواتفنا لتصوير اللحظة قبل أن نمنح أنفسنا فرصة عيشها.
وهذا السعي الدائم إلى صناعة نسخة مثالية من أنفسنا يفسر جانبًا كبيرًا من الإرهاق النفسي الذي بات يلازم كثيرين اليوم. فنحن لا نقارن حياتنا بحياة الآخرين كما هي، بل نقارن أيامنا العادية بلحظاتهم المنتقاة بعناية، تلك التي جرى تنقيحها وإخراجها لتبدو أكثر إشراقًا وكمالًا. وعندما نفعل ذلك، يبدو لنا أن الجميع يعيش حياة أفضل، بينما الحقيقة أن معظم الناس يخفون تعقيدات حياتهم خلف الصور نفسها التي نظنها كاملة.
والمفارقة أننا أصبحنا أكثر الأجيال قدرةً على تخزين اللحظات، لكننا أقلها قدرةً على التوقف عندها والإنصات إلى ما تمنحه من معنى. فالذكرى الحقيقية ليست صورة محفوظة في هاتف، بل شعورًا صادقًا ظل حيًا في الوجدان؛ رعشة فرح عفوية، أو دفء لقاء، أو دهشة أولى لا تتكرر. وهذه أشياء لا تستطيع الكاميرات، مهما بلغت دقتها، أن تحفظها نيابةً عنا.
لذلك نحتاج، بين الحين والآخر، إلى أن نضع الهاتف جانبًا، لا لأن اللحظة لا تستحق التصوير، بل لأنها تستحق ما هو أثمن من ذلك: أن تُعاش بكامل الحضور والانتباه. ففي نهاية الرحلة، وعندما نلتفت إلى الوراء، لن يكون السؤال: كم صورة جمعنا؟ بل: كم لحظة عشناها حقًا قبل أن تمضي؟ فنحن لا نملك رفاهية إعادة الحياة من جديد؛ نعيشها مرة واحدة فقط، وكل لحظة تمر لا تعود أبدًا بالصورة نفسها.
الحياة لا تُخلَّد في ذاكرة الهواتف، بل في ذاكرة القلوب. وعند جرد الحساب الأخير، لن يتبقى معنا ما نشرناه للعالم ليصفق لنا الغرباء، بل سيبقى ما عشناه بصدق وعمق في لحظاتنا الخاصة.
فلا تبحث عن صورة تُخلِّد بها اللحظة، بل عِشها بكل جوارحك، واترك اللحظة هي التي تُخلِّدك.