تحولت رسوم الحماية المفروضة على واردات البيليت إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل صناعة الحديد والصلب المصرية، بعدما انقسمت الصناعة بين مصانع متكاملة وشبه متكاملة ترى في الرسوم أداة لحماية قاعدة الإنتاج المحلية، ومصانع درفلة تعتبرها عبئًا يرفع تكلفة مدخلات الإنتاج ويضعف قدرتها على المنافسة. ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه الصناعة العالمية فائضًا ضخمًا في الطاقة الإنتاجية، الخميس 27 أغسطس 2026
وتقدمت المصانع المتكاملة وشبه المتكاملة بشكوى بشأن الأضرار الناتجة عن تدفق واردات البيليت منخفضة الأسعار، مطالبة بفرض رسم وقائي قدره 25%. وأجرى قطاع المعالجات التجارية بوزارة الاستثمار والتجارة الخارجية تحقيقًا مبدئيًا انتهى إلى التوصية برسم مؤقت قدره 16%، قبل أن يحدد القرار النهائي الصادر في 31 مارس 2026 الرسم عند 13%
لكن الجدل تجاوز نسبة الرسم ذاتها، ليطرح سؤالًا أكبر: هل ينبغي النظر إلى البيليت باعتباره مجرد خامة مستوردة أرخص، أم باعتباره جزءًا من صناعة استراتيجية تواجه أزمة فائض إنتاج عالمية غير مسبوقة
فائض عالمي قياسي والصين في قلب الأزمة
تأتي المعركة المصرية في وقت تواجه فيه صناعة الصلب العالمية فائضًا ضخمًا في الطاقة الإنتاجية. ووفق أحدث تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 2026، ارتفع فائض الطاقة الإنتاجية العالمية للصلب إلى 640 مليون طن في 2025، مقارنة بـ522 مليون طن في 2019، ومن المتوقع أن يصل إلى 745 مليون طن بحلول 2028، بينما لا يتوقع أن ينمو الطلب العالمي سوى بنحو 0. 9% سنويًا حتى 2030
وتبرز الصين في قلب هذه الأزمة، إذ ارتفعت حصتها من فجوة الطاقة بين الإنتاج والطلب عالميًا إلى 54% في الربع الثالث من 2025، مع دفع ضعف الطلب المحلي المنتجين الصينيين إلى زيادة صادراتهم. وسجلت صادرات الصين من الصلب مستوى قياسيًا بلغ 131 مليون طن في 2025، بزيادة 153% مقارنة بعام 2020، بما يعادل نحو 14% من إنتاجها من الصلب الخام، كما تجاوزت صادراتها إجمالي إنتاج الاتحاد الأوروبي من الصلب
ولا تتعلق الأزمة بفائض الطاقة فقط، إذ تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن متوسط شركة الصلب الصينية حصل في 2024 على دعم حكومي، محسوبًا بالنسبة إلى حجم أصولها، يعادل 15 ضعف ما حصلت عليه الشركة الوسيطة في الاقتصادات الأخرى. وفي 2025، رصدت المنظمة 59 برنامج دعم جديدًا على مستوى المقاطعات والبلديات الصينية، شملت منحًا وتمويلًا تفضيليًا
بيليت أم خام. . وحجم الفجوة المحلية
تتمسك مصانع الدرفلة بأن البيليت مادة خام، وأن فرض رسوم عليه يرفع تكلفة مدخل أساسي للإنتاج. لكن البيليت هو منتج صلب شبه نهائي ينتج بعد مراحل الاختزال والصهر والصب، وقبل دخوله مرحلة الدرفلة النهائية لإنتاج حديد التسليح. وتقترب أسعار البيليت في الأسواق العالمية من أسعار حديد التسليح، إذ تتراوح نسبة سعر البيليت إلى سعر حديد التسليح بين 89% و94% في عدد من الأسواق الرئيسية
وبحسب البيانات المقدمة من المصانع الشاكية، بلغ إنتاج مصر من حديد التسليح في 2025 نحو 8. 4 مليون طن، منها 6. 6 مليون طن للاستهلاك المحلي والباقي للتصدير، وهو ما يتطلب قرابة 8. 8 مليون طن من البيليت. في المقابل، تصل الطاقات الإنتاجية المتاحة لإنتاج البيليت محليًا إلى نحو 13. 7 مليون طن، موزعة بواقع 8. 7 مليون طن لدى المصانع المتكاملة، و2. 4 مليون طن لدى المصانع شبه المتكاملة، و2. 6 مليون طن لدى مصانع الحث الذاتي التي قامت بتوفيق أوضاعها، أي أن الطاقة المحلية تتجاوز الاحتياجات المقدرة بنحو 5 ملايين طن، أو ما يقرب من 42%
وتوفر المصانع الكبرى، وعلى رأسها حديد عز، نحو 60 ألف طن من البيليت شهريًا لمصانع الدرفلة لسد الجزء الأكبر من احتياجاتها. وسبق أن عرضت وزارة الصناعة على مصانع الدرفلة، قبل عامين، رخصًا لإنتاج 3. 7 مليون طن من البيليت، لكن لم يتقدم إليها أحد، وهو ما تراه المصانع المتكاملة مؤشرًا على عدم جدية تلك المصانع في خوض عملية إنتاجية متكاملة