بقلم: أكرم الخرجاوي
قد تهدم الخلافات الزوجية بيتا كان يمكن ان يبقى، فليست كل الخلافات سببا كافيا للانفصال، وليست كل كلمة قيلت في لحظة غضب تستحق ان تكون نهاية لعشرة جمعت بين اثنين، وربما بينهما سنوات طويلة من المودة والذكريات والابناء. فالزواج حياة مشتركة، والحياة لا تخلو من اختلاف في الرأي او سوء فهم او لحظات غضب وانفعال. لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الصغائر الى معارك، والخلافات العابرة الى خصومات دائمة، ويصبح كل طرف منشغلا باثبات انه على حق اكثر من انشغاله بالحفاظ على بيته.
التغافل عن بعض الامور الصغيرة ليس ضعفا ولا تنازلا عن الكرامة، بل هو في كثير من الاحيان حكمة ونضج وحفاظ على ما هو اكبر واهم. فكم من بيت انهدم بسبب كلمة كان يمكن تجاوزها، وكم من علاقة انتهت بسبب موقف كان يمكن احتواؤه، وكم من زوجين اكتشفا بعد الطلاق ان ما اختلفا حوله لم يكن يستحق ان يخسرا من اجله اسرة كاملة.
إن من اخطر ما يهدد الحياة الزوجية ان تصبح الخلافات مادة للحديث امام الاخرين. فاسرار البيت وشئونه الداخلية ليست مجالا للنشر ولا للحكايات، ولا ينبغي ان تتحول المشكلات الزوجية الى حديث مع الاصدقاء والجيران والاقارب، مهما بلغت درجة القرب. فلكل بيت خصوصيته، وما يحدث خلف ابوابه يجب ان يبقى داخلها. فافشاء الاسرار يوسع دائرة الخلاف، ويدخل اطرافا جديدة في مشكلة كان يمكن ان تنتهي بين الزوجين، كما يجعل الصلح اكثر صعوبة بعد ان تتراكم المواقف والاحكام والتدخلات.
وهذا لا يعني الصمت امام المشكلات الخطيرة او تحمل الاذى، فاللجوء الى شخص حكيم وموثوق او الى مختص عند الحاجة قد يكون امرا ضروريا.
والخاسر الاكبر في كثير من حالات الصراع الزوجي ليس الزوج ولا الزوجة، بل الابناء. فالطفل الذي يعيش في بيت تسوده المشاحنات والصراخ والخصام يشعر بالخوف والقلق ويفقد الاحساس بالامان. وقد يحمل داخله مشاعر لا يستطيع التعبير عنها، فيصبح اكثر توترا او انعزالا او غضبا .
اما الطلاق، فعندما يصبح هو الحل الوحيد بعد استنفاد كل محاولات الاصلاح، فقد يكون احيانا ارحم من استمرار حياة مليئة بالاذى والصراع. لكن اتخاذ قرار الطلاق بسبب خلافات عابرة او تراكمات صغيرة كان يمكن تجاوزها يحتاج الى وقفة صادقة مع النفس. فقبل ان يقرر الزوجان هدم البيت، عليهما ان يسألا نفسيهما: هل ما نختلف عليه يستحق ان نخسر من اجله سنوات من العمر؟ وهل يستحق ان يدفع الابناء ثمنه؟ وهل جربنا الحوار الهادئ، والتغافل، والاعتذار، والاستعانة بشخص حكيم قبل الوصول الى النهاية؟
الاسرة ليست مكانا للكمال، بل مكان للتسامح والتفاهم والاحتواء. ولا يوجد زوج كامل ولا زوجة كاملة، وكل انسان لديه عيوبه ونقاط ضعفه. وما يجعل الزواج ناجحا ليس غياب الخلاف، وانما القدرة على ادارة الخلاف دون ان يتحول الى كراهية، ودون ان يفقد احد الطرفين احترامه للاخر.
فلنغض الطرف عن بعض الصغائر، ولنتعلم متى نتحدث ومتى نصمت، ومتى نعتذر ومتى نسامح، ولنجعل اسرار بيوتنا امانة لا تخرج منها الا لضرورة حقيقية. فهناك بيوت كثيرة لم تكن تحتاج الى طلاق، بل كانت تحتاج فقط الى قليل من الحكمة، وكثير من التغافل، وقلب يتذكر ان الاسرة التي نبنيها في سنوات قد نهدمها في لحظة غضب.
وفي النهاية، حين يكون هناك ابناء، يجب ان نتذكر دائما ان الخلاف بين الزوجين قد ينتهي في ساعة، لكن اثره في نفوس الابناء قد يبقى سنوات طويلة. لذلك، قبل ان ننتصر في معركة زوجية صغيرة، علينا ان نسأل انفسنا: هل نريد حقا ان ننتصر في الخلاف ام نريد ان تنتصر الاسرة؟