Wednesday, 2026-03-04
تقرير 03 March 2026 22 مشاهدة

من سيف يهودا إلى ذئير الأسد.. لماذا غير نتنياهو اسم العملية ضد إيران؟

الخط:
مشاركة:
من سيف يهودا إلى ذئير الأسد.. لماذا غير نتنياهو اسم العملية ضد إيران؟
سطور الخلاصة من الموقع
في كواليس اتخاذ القرار الإسرائيلي، لم يكن تغيير اسم العملية من "سيف يهودا" إلى "ذئير الأسد" مجرد تعديل لوجستي أو تفضيل شخصي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو
تفاصيل الخبر كاملاً

 

في كواليس اتخاذ القرار الإسرائيلي، لم يكن تغيير اسم العملية من "سيف يهودا" إلى "ذئير الأسد" مجرد تعديل لوجستي أو تفضيل شخصي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. الاسم الجديد، المستوحى من سفر عاموس في العهد القديم، يحمل في طياته إسقاطات دقيقة على واقع الصراع الحالي، ويفتح الباب لفهم أعمق لطبيعة الحرب التي تُشن اليوم على إيران.

 

قد يعتقد البعض أن فكرة الحرب الدينية هى من وجهة نظر الشرق فقط لكن على عكس توقعاتهم فما يحدث ليس مجرد صراع سياسي أو عسكري تقليدي؛ بل هو، من وجهة نظر تيارات مؤثرة في الغرب وتحديداً في الولايات المتحدة، حرب دينية بامتياز، بدأت من هناك قبل أن تصل إلينا.

 

 

كان الاسم الأولي للعملية(الحرب ضد إيران)، هو "سيف يهودا"، لكن حسب، القناة 12 الإسرائيلية، فإن رئيس الوزراء نتنياهو تدخل شخصياً وأمر بتغييره في اللحظات الأخيرة إلى "ذئير الأسد".

كانت القناة 12 أول من كشف عن الكواليس في تقرير خاص مساء السبت. مراسلهم للشؤون السياسية أشار إلى أن "الاسم الأصلي للعملية في التخطيط العسكري كان 'سيف يهودا'، لكن مكتب رئيس الوزراء طلب تغييره في اللحظات الأخيرة".

وكتبت يديعوت أحرونوت "نتنياهو اختار بنفسه اسم العملية: من 'سيف يهودا' إلى 'ذئير الأسد'، ونشر موقع Ynet (النسخة الإلكترونية ليديعوت) تقريراً نقلاً عن مصادر في مكتب نتنياهو تؤكد أن رئيس الوزراء رفض الاسم الأول وطلب اسماً "أكثر قوة وذو وقع توراتي".

 

وفي نشرتهم المسائيةكان 11 (هيئة البث الإسرائيلية الرسمية)، ناقش المحلل العسكري للقناة دلالات الأسماء وأكد أن الاسم الأول كان مختلفاً تماماً وتم تغييره بتوجيه سياسي مباشر من نتنياهو.

 

في تحديث متأخر مساء السبت، نشرت رويترز نقلاً عن مسؤول إسرائيلي لم يكشف عن اسمه: "كانت العملية تحمل اسماً مختلفاً في مراحل التخطيط، لكن رئيس الوزراء تدخل لاختيار اسم 'ذئير الأسد' شخصياً لما يحمله من دلالات قوية".

 

لماذا "سيف يهودا" أولاً؟

بحسب ما ورد في بعض التقارير، نتنياهو رفض القائمة الأولى من الأسماء التي قدمها له الجيش، وطلب اسماً "يُسمع صوته في العالم كله" ويعبر عن أن إسرائيل "لم تعد تتحمل التهديدات". "ذئير الأسد" كان اقتراحه الشخصي أو اقتراح دائرة المقربين منه، ليحل محل "سيف يهودا" الذي كان يميل للطابع المحلي.

 

الاسم الأول "سيف يهودا" كان يحمل دلالات واضحة:

 

· يهودا: إشارة إلى المملكة التاريخية والملك داود، وترمز للقوة والهوية اليهودية الخالصة.

· السيف: رمز مباشر للحرب والقوة العسكرية.

· لكن المشكلة في هذا الاسم أنه كان أقل من مستوى الحدث بالنسبة لنتنياهو. "سيف يهودا" يبدو كاسم لعملية عسكرية محدودة أو تقليدية، بينما ما كان يُخطط له كان أضخم بكثير.

 

لماذا "ذئير الأسد" في النهاية؟

 

المصادر الإسرائيلية تشير إلى أن نتنياهو طلب اسماً له وقع كارثي وأخروي، وليس مجرد اسم عسكري. "ذئير الأسد" حقق له ذلك لأسباب:

اسم ذئير الأسد بالعبرية ليس مجرد اسم عشوائي، واختياره يحمل عدة دلالات، لكن هل هو "ديني" بشكل مباشر؟ الإجابة: له جذور دينية وثقافية عميقة، لكنه في السياق الحالي يحمل أيضاً رسالة سياسية وعسكرية واضحة.

 

1. المصدر الديني المباشر (سفر عاموس):

الاسم مأخوذ في الأساس من سفر "عاموس" في التناخ (العهد القديم)، وتحديداً من الإصحاح الثالث، الآية ٨، حيث يرد النص:

· "أَيَزْأَرُ الأَسَدُ فِي الْوَعْرِ وَلاَ فَرِيسَةَ لَهُ؟"

· "الأسد قد زأر، من لا يخاف؟ السيد الرب قد تكلم، من لا يتنبأ؟"

في السياق الديني اليهودي، يُفسر "ذئير الأسد" على أنه رمز لقوة الله وعقابه، أو كناية عن الوحي الإلهي الذي لا يمكن تجاهله. استخدام هذا الاسم يضع العملية العسكرية في إطار "الضرورة الحتمية" و"الاستجابة لقوة عليا"، وكأن الدولة العبرية تقول إن ما تفعله ليس مجرد خيار عسكري، بل هو فعل حتمي (مثل ذئير الأسد الذي لا يمكن منعه).

 

2. البعد الرمزي والقومي (أسد يهوذا):

الأسد في الثقافة اليهودية يرمز إلى "سبط يهودا"، وهو أحد أسباط إسرائيل الاثني عشر، ومنه ينحدر الملوك (مثل الملك داود). لقب "أسد يهودا" (Aryeh Yehuda) هو لقب مسياني تقليدي. لكن في العصر الحديث، تحول الأسد إلى رمز للقوة الإسرائيلية، والأهم من ذلك، هو رمز للقدس (الأسد هو شعار مدينة القدس).

إذاً، الاسم يربط العملية عاطفياً بالقدس وسبط يهودا، كأنها معركة وجودية على "أرض الميراث".

3. الرسالة السياسية والعسكرية (الردع):

اختيار "ذئير الأسد" هنا يحمل رسالة واضحة لإيران وحلفائها:

· القوة المطلقة: الأسد هو ملك الغابة، وذئيره يعلن هيمنته. إسرائيل تريد إيصال رسالة أنها "المفترس الأقوى" في المنطقة.

· التحذير المسبق: الذئير هو الصوت الذي يسبق الهجوم، وكأن إسرائيل تقول "لقد حذرناكم ولم تسمعوا، والآن جاء الرد".

هو ليس مجرد اسم، فهو يحمل طبقات متعددة، دينية، وقومية وعسكرية، هو بيان أيديولوجي كامل يهدف إلى رفع الروح المعنوية داخل إسرائيل، وإضفاء الشرعية التاريخية على العملية، وفي نفس الوقت بث الرعب في نفوس الخصوم

 

من "كورش المخلص" إلى "العدو الأكبر"

الخطاب الغربي، وبالأخص خطاب التيار الإنجيلي الصهيوني، يستدعي اليوم قصصاً من العهد القديم، لكنه يقرأها بشكل عكسي. ففي التاريخ التوراتي، كان "كورش الكبير" ملك الفرس (الإيرانيين) هو "المخلص" الذي سمح لليهود بالعودة من الأسر البابلي وأعاد بناء الهيكل. إيران القديمة كانت أداة الخلاص.

اليوم، تحولت إيران (بلاد فارس القديمة) في هذا الخطاب من "المخلِّص" إلى "العدو الأكبر". بل إن بعض التفسيرات الإنجيلية تذهب إلى حد اعتبار إيران الحديثة تمثل قوى "يأجوج ومأجوج" المذكورة في نبوءات نهاية الزمان، وهزيمتها ليست مجرد انتصار عسكري، بل هي شرط أساسي لتحقيق الخلاص وعودة المسيح.

 

"فارس" في نبوءات نهاية العالم

النظر إلى إيران كهدف ديني ليس وليد اليوم، بل هو متجذر في نصوص يعتبرها هؤلاء "مقدسة" وملزمة. أبرز هذه النصوص:

· نبوءة "جوج وماجوج" في سفر حزقيال (الإصحاحين 38-39): يتحدث النص عن تحالف عسكري ضخم سيُحشد ضد إسرائيل في "الأيام الأخيرة". وأول اسم يُذكر في هذا التحالف هو "فارس" (Persia) ، وهي إيران اليوم. بالنسبة للإنجيليين، هذه النبوءة لم تتحقق بعد، وهي تنتظر تفعيلها.

· نبوءة "كسر قوس إيلام" في سفر إرميا (الإصحاح 49): يتحدث النص عن "كسر قوس إيلام" (إقليم في غرب إيران حالياً) وتحطيم قوتها. المفسرون الإنجيليون المعاصرون يسقطون هذه النبوءة حرفياً على ما يحدث اليوم، معتبرين أن "كسر القوس" هو تدمير القدرات العسكرية الإيرانية، وتحديداً برنامجها النووي والصاروخي.

هكذا تصبح إيران في هذه العقلية "العدو الضروري". فمن دون عدو قوي يهدد وجود إسرائيل، لا يمكن أن تتحقق الملحمة الكبرى التي تمهد لعودة المسيح. ومن هنا يتم شحن الرأي العام الغربي ضد إيران ليس فقط كخطر سياسي، بل كخطر "شيطاني" مذكور في الكتب المقدسة، وتصفيتها شرط لبدء الفصل الأخير من تاريخ البشرية.

 

تهيئة المسرح: عندما تتحول النبوءة إلى خطة عمل

الفرق الجوهري في هذه العقلية أنها لا تنتظر النبوءات كي تتحقق من تلقاء نفسها، بل تعمل على "تهيئة المسرح" لإجبار الواقع على مطابقة النص الديني. هؤلاء ليسوا مجرد مراقبين، بل ممثلون فاعلون يسخرون أدواتهم لتحقيق السيناريو المكتوب. ويتم ذلك عبر أربع أدوات رئيسية:

1. اللوبيات السياسية: الضغط على صناع القرار في واشنطن والعواصم الغربية لدعم إسرائيل دون قيد أو شرط.

2. التمويل غير المشروط: توفير الغطاء المالي والسياسي للكيان، وكأن دعمه واجب ديني قبل أن يكون خياراً سياسياً.

3. الضغط على القادة: دفع القادة الغربيين لاتخاذ قرارات أيديولوجية قد تبدو "غبية" أو غير عقلانية من منظور سياسي، لكنها تتماشى مع "الخطة الإلهية".

4. إعادة تأطير الحروب: التعامل مع الحروب ليس كمآسٍ إنسانية يجب تجنبها، بل كـ "أقدار إلهية" لا مفر منها، بل وضرورية لتحقيق النهاية المنتظرة.

 

هل إسرائيل: "كومبارس" في مسرحية الغرب؟

في هذا السيناريو، يتم التعامل مع إسرائيل واليهود بشكل عام ليس كـ "أخوة" أو ككيان له قدسية ذاتية، بل كـ "أداة" و "كارت" في مسرحية كُتبت نهايتها مسبقاً. اليهود، من هذا المنظور، مطالبون بالتجمع في "أرض المعاد" (فلسطين) بغض النظر عن عواقب ذلك، لأن هذا التجمع هو مقدمة ضرورية للمشهد الختامي. هم "كومبارس" في مسرحية كُتبت نهايتهم هم أيضاً، حيث سيكون الإنجيليون وحدهم "الناجين" في نهاية العالم.

وهنا يأتي دور الآية الأكثر استحضاراً في الخطاب الإنجيلي الداعم لإسرائيل: "أبارك مباركيك، ولاعنك ألعنه" (سفر التكوين 12: 3) .

هذه الآية تُفسر بشكل حرفي على أنها "صك غفران سياسي". الإنجيليون يعتقدون أن مفتاح الرزق والقوة والأمان لأي دولة (مثل أمريكا) أو أي فرد، مرهون بموقفه من إسرائيل. لذلك:

· الدعم لإسرائيل (سلاح، تمويل، دفاع سياسي) يُتوقع أن يُقابل ببركة إلهية تحمي أمريكا من الكوارث وتنعش اقتصادها.

· الضغط على إسرائيل أو محاولة فرض حلول سياسية عليها، يُفسر على أنه جلب "اللعنة" على أمريكا، مما يفسر الهجوم الشرس من الإنجيليين على أي رئيس أمريكي يحاول التهدئة أو السلام.

 

"أمريكا أولاً أم إسرائيل؟".. سؤال شائك بإجابة دينية

ربما هذا هو ما يفسر التعقيد الذي نراه في المشهد اليوم. السؤال الذي طالما حيّر المحللين: "أمريكا أولاً أم إسرائيل؟" ظل بلا إجابة واضحة، ليس بسبب عجز تحليلي، بل لأن الإجابة أبعد من السياسة.

إنه ليس مجرد اختراق، أو تجنيد، أو ضغط، أو حتى "تركيع". إنها عقيدة أولاً وأخيراً. قرارات بهذا الحجم، تُتخذ في سياق إيماني قبل أن تكون سياسي، وهذا هو ما يجعل صوت العقل، والقانون الدولي، والمنطق السياسي غائباً تماماً عن المعادلة. الاستهداف ليس لإيران فقط، بل لأي قوة تعترض طريق "السيناريو الإلهي".

هذا التفسير، شئنا أم أبينا، يعيد قراءة المشهد الحالي بوصفه حرباً دينية في الأساس، بدأت من هناك قبل أن تصل إلينا، وتفسر لماذا تحولت إيران الحديثة إلى "القطعة الأخيرة" في سيناريو نهاية العالم، ولماذا تدفع قوى كبرى ثمناً باهظاً لدورها في "تهيئة المسرح".

 

 

 

R
بقلم: Rahma

كاتب ومحرر في بوابة الجمهورية الثانية.