fbpx
بناء الجمهورية الثانيةسلايدر

تصدير الغاز المصري للبنان.. توسع مصري وتراجع تركي وخسارة إيرانية

 كتب – محمد ماهر

وصول الغاز المصري للبنان عبر الأراضي السورية يعني الكثير إقليميا وعالميا، فالمتابع للأحداث في المنطقة في العقد الماضي يرى الكثير من التغيرات في موازين القوة وخريطة التحالفات والعداوات لبعض الدول العربية في مواجهة إيران، ووصول الغاز المصري للبنان عبر الأراضي السورية يعد علامة فارقة وسيؤثر على الكثير من الدول والتوازنات في المنطقة، فإيران سيتأثر نفوذها ويُقَوَّض، وسوريا ستستفيد حتما بجانب أن ذلك علامة على بدأ التساهل الأمريكي، ولبنان ستحصل على الغاز، ومصر ستتوسع بنفوذها، وتركيا كالعادة على طريق الخسارة الدائمة، وإسرائيل لها جانبان أحدهما خاسر، وليبيا ستتلقى المزيد من الضغوط والتركيز التركي.

 

إيران

منذ أن صعد نجم مصر إقليميا ودوليا مرة أخرى للساحة وإيران آخذة في الخسارة، حيث عكفت مصر على تقويض النفوذ الإيراني في معظم المحاور مما يلاقي بل ويحالف الهوى السعودي الشقيق، حيث دخلت مصر العراق بكل ثقلها للتصدي للنفوذ الإيراني بها، مما يلاقي الهوى الأمريكي أيضًا، حيث قدمت وتقدم مصر  للعراق المساندة والدعم في معظم المحاور، اقتصاديا باتفاقية البترول مقابل الإعمار عبر الأردن، وعسكريا بالتدريب والتأهيل لأفراد وضباط الجيش العراقي وبعض الاتفاقيات العسكرية الأخرى منها المعلن، والاتفاقيات الأمنية المتعلقة بالتعاون الأمني والمعلوماتي، وحتى إدارة الموارد المائية، فمصر وضعت كل إمكاناتها في جميع المجالات لتساعد العراق للعودة مرة أخرى لشكل ومضمون الدولة.

 

لبنان

بجانب استفادة لبنان من الغاز نفسه، فإن ذلك يعني المزيد من التعاون مع مصر والمزيد من الانسلاخ من الهيمنة الإيرانية على القرار في لبنان عن طريق حزب الله، ولو أن هيمنة حزب الله أو بالأحرى تعطيله للقرار في لبنان يتخطى مسألة الغاز للتواجد العسكري وبقوة، لكن حتى هذا فإن مصر تساعد لبنان فيه، حيث أن العماد جوزيف عون قائد الجيش اللبناني والوفد المرافق له زار مصر في الثامن والعشرين من يوليو الماضي والتقى الفريق أول محمد زكى القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربى والفريق محمد فريد رئيس أركان حرب القوات المسلحة في زيارة رسمية استغرقت عدة أيام.

مما يعني أن التعاون العسكري قائم ومستمر حتى ولو لم يُعلن عنه كما وكيفا. وبالنسبة للبنان فإن المساعدة المصرية أفضل من مساعدة أي دولة حيث أن المساعدات المصرية لا تشترط اتباع أيديولوجية معينة أو منهج محدد، إنما هي مساعدة عربيةعربية خالصة لتخليص المنطقة من النفوذ الخارجي أو الإقليمي لبعض القوى الطامعة في ثرواتها وحصر خيرات وثروات دول المنطقة وتدويرها فيما بينهم للوصول بها للتكامل الاقتصادي العربيالعربي.

وهذا الاتفاق يمكن أن يكون خطوة على طريق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، حيث يعد ذلك الخط أساسا لما يمكن أن يحدث بعد ذلك من نقل الغاز اللبناني لمصر للإسالة، ولن تكون تلك هي السابقة الأولى، حيث حدث ذلك من قبل بين مصر وإسرائيل في خط تصدير الغاز المصري لإسرائيل حيث أصبح يصدر الغاز الإسرائيلي لمصر لإسالته وإعادة تصديره لأوروبا.

 

تركيا

الكل يعلم أن تركيا حاولت استغلال انفجار مرفأ بيروت في توسيع نطاق نفوذها إلى لبنان أو في لبنان لكن مصر انتبهت لذلك وقطعت عليها خط الرجعة وساندت لبنان بكل قوة؛ وآخر تلك المناوشات بين مصر وتركيا في محور لبنان – وهي أحد محاور غاز شرق المتوسط – هو تلك الاتفاقية بتمرير الغاز المصري للبنان.

تركيا لم تنفك تحاول التدخل في لبنان لأن لبنان لها قطعة في كعكة غاز شرق المتوسط الذي يسيل عليه لعاب تركيا أو بالأحرى رئيسها، لكن لبنان لا تستطيع استغلال هذا المورد لأنها لم توقع بعد اتفاقيات بترسيم الحدود من جهة ولأن هناك خلاف بينها وبين إسرائيل على نقاط الأساس ويتنازع الجانبان على حوالي 860 كيلومتر مربع بالمنطقة الاقتصادية الخالصة في عمق البحر المتوسط، وهي رقع غنية بالغاز، وتُعرف وفق تقسيم لبنان لمياهه الإقليمية بالرقع رقم ٨ و٩ و١٠.

قضت تلك الاتفاقية أيضًا على أحلام تركيا نهائيًا بأن تكون مركزًا إقليميا لتداول الغاز، بل هي بمثابة رصاصة الرحمة لتركيا في هذا الملف.

 

إسرائيل

بالرغم من إسرائيل تبدو على وفاق مع مصر الآن في العموم وفي هذا الملف خاصة، إلا أنه من الأكيد أن إسرائيل حاربت القرار الأمريكي بعدم تطبيق قانون قيصر على كل الأطراف المعنية في هذا الملف نظرًا لتعاملهم مع سوريا؛ ولدى إسرائيل بالتأكيد أدوات كثيرة داخل الدوائر الأمريكية لصنع القرار ولديها جماعات ضغط قوية، إلا أن المصلحة الأمريكية المباشرة عندما تتعارض مع المصلحة الإسرائيلية غير المباشرة نرى أن المصلحة الأمريكية المباشرة تكسب الرهان إلا في حالة التأثير المباشر على أمن إسرائيل.

كل خطوة تأخذها مصر نحو توسيع نفوذها في المنطقة هي خطوة ترجعها إسرائيل للوراء، وبالتأكيد هذه الاتفاقية ستحرك المياه الراكدة في اتفاقات ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل والتي تريد إسرائيل أن تبقيها راكدة.

لإسرائيل جانب من المكسب في تلك الصفقة بإضعاف نفوذ إيران في المنطقة عامة وفي جارتها الشمالية لبنان وأيضَا إضعاف نفوذ حزب الله خاصة.

 

ليبيا

بالتأكيد ليبيا ستتأثر بمثل هذه الاتفاقية، حيث إن تركيا لم يعد لديها أي بارقة أمل للحصول على أي نصيب من كعكة غاز المتوسط إلا عن طريق هاتين الاتفاقيتين غير القانونيتين اللتين وُقِّعا بين حكومة الوفاق أو السراج وتركيا وبالطبع هما فقط “مسمار جحا” لكنهما لا تسمنان ولا تغنيان من جوع لأنهما غير معترف بهما دوليًا.

وذلك يعني أن تركيا سوف تصب كل تركيزها على المحور الليبي أملًا في الحصول على أي شيء، لكن الدول التي حضرت مؤتمر برلين وخرج عنه البيان الواضح بأن المسار السياسي وإخراج المرتزقة والقوات الأجنبية هو الحل الوحيد للأزمة الليبية يضع تركيا أمام معادلة مستحيلة في ليبيا.

 

مصر

مصر باختصار هي الرابح الأكبر في هذه المعادلة، حيث دفعت إسرائيل وتركيا خطوات للخلف في مطامعهما في الغاز اللبناني وأخذت هي خطوات للأمام، لأنه كما ذكرنا هذا الخط من المرجح جدا أن يكون أساسًا لنقل الغاز اللبناني فيما بعد لمصر لإسالته حاله حال الغاز الإسرائيلي. مصر تسير بخطوات ثابتة نحو جمع خيوط المنطقة بين أصابعها بهدف التكامل الاقتصادي العربي-العربي.

ذلك بالطبع باستثناء العائد الاقتصادي على مصر من ذلك، والسياسي بل والجيوسياسي، وهذا ما أشارت له تقارير كثيرة في الصحف والدوريات الأمريكية والأوروبية في الفترة الأخيرة.

وختامًا، لابد أن نعي أن هذه العقد الذي نعيشه سوف يغير كل شيء في المنطقة ومن بين ذلك خريطة التحالفات والعداوات والمصالح، كل شيء يعاد التخطيط له بعد فشل سيناريو الفوضى الخلاقة في العقد الماضي في المنطقة.

وكانت سوريا أبدت استعدادها لتلبية طلب لبناني بـ”تمرير” الغاز والكهرباء من مصر والأردن إلى لبنان عبر أراضيها، في إطار خطة أمريكية قد تستثني لبنان من العقوبات على سوريا. جاء ذلك في أول زيارة رسمية لبنانية إلى سوريا منذ عقد.

ومن المفترض أن ينقل الغاز عبر ما يُعرف بـ “الخط العربي”، من الحدود الأردنية جنوباً إلى وسط سوريا ومنها إلى محطة لقياس الكمية قرب الحدود اللبنانية السورية ثم إلى لبنان لتشغيل معامل لإنتاج الكهرباء في لبنان، وإمدادها بالطاقة الكهربائية من الأردن الذي يستورد أيضاً الغاز المصري لإنتاج الطاقة التي كان يزود بها سوريا كذلك في الماضي.

ومن الجدير بالذكر أن هذه الاتفاقية مبنية على اتفاقية ما يعرف ب “خط الغاز العربي” عام 2009 وهو خط غاز لتصدير الغاز الطبيعي المصري لدول المشرق العربي ومنها إلى أوروبا. عند اتمامه، يبلغ طوله الإجمالي 1200 كم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى